روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
172
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) : طلب الحق منهم ما خلق في فطرتهم من استعداد قبول طاعته أي : اعبدوني بي لا بكم ، فهذا صراط مستقيم حيث لا تنقطع العبودية عن العباد أبدا ، ولا يدخل في هذا الصراط اعوجاج ولا اضطراب . قال النوري : الأنفاس ثلاث : نفس في العبودية ، ونفس بالربوبية ، ونفس بالرب . قال الواسطي : من عبد اللّه لنفسه فإنما يعبد نفسه ، ومن عبده من أجله فإنه لم يعرف ربه ، ومن عبده بمعنى أن العبودية جوهرة تظهرها الربوبية فقد أصاب . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) قوله تعالى : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ : من عمّره اللّه وذهب أوقاته بالغفلات ، ولا يظهر بالمشاهدات نقص وضعف في ميادين العبودية والربوبية . قال أبو بكر الوراق : من عمّره اللّه بالغفلة فإن الأيام والأحوال تؤثر فيه حالا فحالا من طفولية ، وشباب ، وكهولية ، وشيبة إلى أن يبلغ ما حكى اللّه عنه من قوله : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ، ومن أحياه اللّه بذكره فإن تلوين الأحوال لا يؤثر فيه ، فإنه متصل الحياة لحياة الحق ، حي به ، ويقر بهن ، قال اللّه : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 70 إلى 77 ] لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 ) أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) قوله تعالى : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا أي : من كان عارفا باللّه وبصفاته ، عاشقا بوجهه ، مشتاقا إلى لقائه ، والها في جماله ، ذاهلا في عظمته وكبريائه ، متصفا بحياته . قال ابن عطاء : أي من كان في علم اللّه حيّا أحياه اللّه بالنظر إليه والفهم عنه والسماع منه والسلام عليه . قال الجنيد : الحي من يكون حياته بحياة خالقه ، لا من يكون حياته ببقاء هيكله ، ومن يكون بقاؤه ببقاء نفسه فإنه ميت في وقت حياته ، ومن كان حياته بربه كان حقيقة حياته