روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
98
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 94 إلى 97 ] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) قيل : أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما استقيما على مناهج الصدق . [ تفسير الآية 94 ] قوله تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ : كان صلى اللّه عليه وسلم مصطفى في الأزل بشرط الرسالة والنبوة ، والمقام المحمود الذي خصّ به عن جميع خلقه ، فلما جاء عليه أوائل الاصطفائية ودلائل الرسالة وحقائق أنوار الوصلة بغتة ولم يحصل له تسرمد الحاصل البداية تردد حاله وعارضه وسره ، وخاف من فوت الحال ، فسلّى الحق قلبه بخطابه ، وأحاله إلى رؤساء أخبار كتبه المنزلة ليعرفوا من هناك نشر فضائله واختصاصه في الأزل برسالته بما وجدوا في كتبهم ، ألا ترى كيف أراد أن تلقى نفسه من حبل جرى شوقا إلى جبريل عليه السلام ورسالة اللّه سبحانه ، حتى جاء جبريل وأخذه وتسلاه بسلام اللّه ووحيه . ألا ترى إلى قوله : « زمّلوني زمّلوني » « 1 » ، ولا تعجب عن خواطر التردد عن البشر ، وإن كان رفيعا ، فإن شاهد القدم لو بقلب سربال الربوبية يبلغ قلوب الصديقين ، ويفني أرواح المقربين من يتخلص من معارضة النفس بعد المكاشفة ، وتلك المعارضة تصدر من الحق امتحانا وعبرة ، حتى تطلع على الطالب شمس العناية ، وقمر السعادة ، فيرى الحق بالحق ويستقيم به له . ألا ترى كيف قال عليه السلام : « إنه ليغان على قلبي ، وإنّي لأستغفر اللّه في كل يوم سبعين مرة » « 2 » ، وكيف قال : « نحن أولى بالشكّ من إبراهيم » « 3 » ، ليس هذا شكّا في وعد اللّه إنه رفع المعارضة والخطرات ، ألا ترى إذا استقام وزال الامتحان من مقام العرفان والإيقان ، كيف قال : « لا أشكّ لا أشكّ » « 4 » ، لا تعجب مما ذكرنا ؛ فإن الحق حقّ ، والخلق خلق ، حاشا أنه كان في شك ، إنما كان في رؤية جلال القديم ، يرى نفسه غريبا عجيبا ، ويتعجب مما يرى من غرائب وضوح الرؤية ، كان كمن لم ير ، فتحير في أمر الأزلية وأحكام الربوبية ، قد اضمحل الحدث في القدم ، ويرى القدم ، ولم ير أنه يرى القدم بالحدث ، فدهش بين رؤيتين يسمع خطاب
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 4 ) ، ومسلم ( 1 / 141 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 2075 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 3 / 1233 ) ، ومسلم ( 1 / 133 ) . ( 4 ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ( 6 / 125 ) .