روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

60

عرائس البيان في حقائق القرآن

الأمان ، وقصد التوبة ، فمن رجع إلى غير هذه الأسباب لم يسلم من فتنة نفسه ، وإن سلم من فتنة العوام . [ تفسير الآية 126 ] قال اللّه : فَلا يَتُوبُونَ أي : لا يرجعون إلى اللّه بقلوبهم ، والراجع إلى اللّه سالم من الفتن والآفات والهمّ . يَذْكُرُونَ أي : لا يشكرون نعمى السالفة عندهم ، وهم يعلمون رفقي بهم في الفتنة . [ تفسير الآية 128 ] قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أخبر سبحانه عن كريم ميلاده عليه السلام ، وعظيم ميعاده ومراده ، وشرّف بها أمّته ، حيث اختاره منها باصطفائية رسالته ، وعظّم شأنه ، والحمد للّه الذي جعل طينته من طينتنا ، وشرّف طينتنا حيث جعلها من طينته ، وخصّ جوهر روحه من أرواحنا ، وشرّف أرواحنا حيث كانت مع روحع في أول بديهة الأمر من اللّه سبحانه ، وأي كرامة أعظم كرامة من أن اللّه سبحانه جعل نبيّنا من أنفسنا ، وأرسل إلينا بالرأفة والرحمة ، وأكرم خلقه حيث جعله رحمة للعالمين ، قال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] . قال الخرّاز : أثبت لنفسك خطرا ، حين قال : رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . قال الحسين : من أجلّكم نفسا ، وأعلاكم همّة ، جاد بالكونين عوضا عن الحقّ ، ما نظر إلى الملكوت ، ولا إلى السدرة ، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] قلبه عن موافقته . قال ابن عطاء : نفسه موافقة لأنفس الخلق ، خلقه ومبائنه لها حقيقة ، فإنها نفس مقدّسة بأنوار النبوّة ، مؤيّدة بمشاهدة الحقائق ، ثابتة في المحلّ الأدنى ، والمقام الأعلى ما زاغ ، وما طغي ، ثم زاد في وصفه ، بقوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ اشتدّت عليه مخالفتنا مع الحقّ ، ومتابعتنا هوانا ، واحتجابنا عن الحقّ . قال بعضهم : شقّ عليه ركوبكم مراكب الخلاف . قال سهل : شديد عليه غفلتكم عن اللّه ، ولو طرفة عين ، ثم زاد في وصفه ، بقوله : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي : حريص على محبّتكم بمشاهدة اللّه ، ومعرفة صفاته وذاته ، وعلى متابعتكم أمر اللّه ، رؤوف برأفة اللّه بالمؤمنين ، ورحيم برحمة اللّه على الصادقين ، رؤوف بأهل الجنايات من المدنيين ، ورحيم على أهل الطاعات من المقصّرين ، فيها تشفع لأهل الجنايات ، وتدعو لأهل الطاعات ، وهذا من اتّصافه بصفة اللّه ، حيث ألبسه أنوار عنايته ، وزيّنه بلطفه وشفقته .