روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

42

عرائس البيان في حقائق القرآن

وقيل في قوله : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ « 1 » أي : ادع لهم ، فإنّ دعاءك لهم يكون سكونا إلى الآخرة ، وانقطاعا عن الدنيا . [ تفسير الآية 104 ] قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ إنّ اللّه سبحانه عرّف الخلق كرمه القديم ، وفضله العميم يعطي الكثير ، ويقبل القليل ، ويرى من عبده كثير السيّئات ، ويبدّلها له بالحسنات . أي : يقبل توبة الأسف على ما فاته من قربة في زمان الطاعة ، ويأخذ صدقة الموقن بجزائه بكشف المشاهدة . قال النصر آبادي : فرق بين القبول والأخذ ؛ لأنّه قد يقبل ثم يأخذ ، ولا يأخذ إلا عن قبول ، فالأخذ أتمّ وأعمّ . وقال أيضا : أخذ الصدقة أجلّ من قبول التوبة ؛ لذلك تقع فيه التربية ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يأخذها فيربها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيلة . . » « 2 » الحديث . وعند عبده وخادمه - واللّه أعلم - أن القبول أتمّ من الأخذ ؛ لأنه ربما يأخذ ، ولا يليق بنفسه وتعطى إلى غيره ، ولا يقبل بطيب نفسه منه ، بل يأخذ بطيب قلب المعطي ، فإذا قبل لطيب نفسه يأخذ لنفسه ، ولا يعطي إلى غيره . وأيضا : يرى أن قبول التوبة أعظم من قبول الصدقة ؛ لأنّ الصدقة شيء لا يتعلّق بوجود التائب ، وما جرى على التائب من المعصية كراهية عند اللّه ، لأجل منازعته ومخالفته وذلك يتعلّق بالجبروت ، فإذا ندم وخضع وخجل بين يدي اللّه ، يصير خارجا من صورة المنازعة ، وخاضعا للربوبيّة ، فما كان في نفسه من الإيمان واليقين والندم والخجل ، أعظم من جميع الكون عند اللّه . إن كان صدقة منه ، فإنّه يعظّم اللّه ويصدقه ، وينزّهه بفنائه في عظمته ، وهذا عمل القلب والصدقة وما سواهما عمل الجوارح ، وأين عمل الجوارح عند عمل القلب ؟ وذكر اللّه أعظم من جميع الصدقات وجميع المعاملات ، فإنّه ذكر ذاته وصفاته ، قال : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : 45 ] ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حمد الحامد أعظم مما أعطي له من النعمة » . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 105 إلى 110 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 109 ) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 )

--> ( 1 ) قال القشيري ( 3 / 162 ) : إن تعاشرهم بهمّتك معهم أثمن لهم من استقلالهم بأموالهم . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 511 ) ، ومسلم ( 2 / 702 ) .