روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
43
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 105 إلى 110 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 109 ) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 ) [ تفسير الآية 105 ] قوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ بيّن سبحانه مراتب علوم الإلهية على ثلاثة أقسام : استأثر قسما لنفسه ، وقسما لرسوله ، وقسما لأوليائه ، فما استأثر لنفسه ، فهو العلم القديم ، وإحاطة نظره القديم على كلّ محدث ، ولا تخفى عليه الضمائر ، وما يجري في السرائر علما ورؤية بغير علّة الاكتساب . ثم استأثر الأنبياء بنور منه يرون به ، فترى قلوبهم به أعمال الخلائق عيانا وبيانا ، وذلك نور الذات ، واستأثر أولياءه بسنا منه ، فيرى به أعمال الخلائق في الخلوات ، وما في قلوبهم من المغيّبات بالفراسات الصادقة ، ذلك نور الصفات ، وفيه تخويف المخلصين والصادقين الذين يتعرض لقلوبهم النعوس ، والشياطين بالهواجس والوساوس في أوقات الفترة ؛ حتى يراقبوا أسرارهم ، ويراعوا أوقاتهم بتقديس القلوب من الخطرات . قال أبو حفص أو أبو عثمان : اعمل ، وأصلح العمل ، وأخلص النيّة ، فإنّ اللّه يرى سرّك وضميرك ، والرسول يراه رؤية مشاهدة ، والمؤمنون يرونه رؤية فراسة وتوسم ، قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ الحجر : 75 ] . [ تفسير الآية 108 ] قوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ : بيّن اللّه سبحانه أنّ تأسيس كلّ عبادة لا يكون إلا بالتقوى ، والتقوى بظهور الأسرار عن النظر إلى الأغيار ، وكلّ موضع يتضرّر فيه ، ونيران التقوى تحرق جميع الأوصاف النفسانية والشيطانية من الشرك والشك والرياء والنفاق والسمعة ، ولا يبقى هناك إلا صفاء السرّ وطهارة الضمير ، وخلوص النيّة ، وصفاء القلب ، وتجريد ذكر اللّه عن ذكر مخلوق . وإذا كان كذلك تكون العبادة والإرادة ، تبلغ الإيمان والإيقان إلى درجة العرفان ،