روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
38
عرائس البيان في حقائق القرآن
إحسان اللّه فيه ، وشهوده عليه ، وشهود العبد مشاهدته بشرط ألّا يرى لغير اللّه وزنا من نفسه ، وجميع الأكوان حتى لا يجد عليه أحد سبيل المنّة . [ تفسير الآية 92 ] ثمّ وصف هؤلاء المحسنين بالفقر والظرافة فيه ، بنعت بذل الوجود ، وصدق اللقاء المحمود ، بقوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ أي : لترفعهم عن رؤية غير اللّه ؛ حتى رؤية ما وجدوا من اللّه من حظوظ حلاوة مشاهدته إلى الفناء فيه ؛ حتى لا يبقى فيهم غير حظّ اللّه منهم . أيضا أي : لتحملهم باللّه ؛ حتى يكونوا معك في مشاهدة اللّه أبدا ، ولا ينقطعوا عنك طرفة عين ، ثمّ بيّن اللّه سبحانه وصف القوم برغبتهم في بذل وجودهم للّه ، وسرعة مسارعتهم إلى اللّه ، وشدّة شوقهم إليه ، وكثرة حزنهم بما فاتوا عنهم من حقوق الطريقة بتمام الآية ، مما أجابهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ أي : لا أجد من العرش إلى الثرى شيئا يحملكم غير اللّه ، ثمّ قال اللّه : تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً : بيّن أن البكاء من الحزن ، وهو بكاء المريدين ؛ لأن بكاء العارفين والمحبّين من الفرح باللّه . قال النصر آبادي في قوله : إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ أي : يحملهم على الإقبال علينا ، والثقة بنا والرجوع . وقال أيضا : يحملهم أي : فتحمل عنهم أثقال المخالفات ، [ تفسير الآية 93 ] ثمّ بيّن أن العتاب على من سكن إلى الدنيا ، وفرح بها ، بقوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ : وصف المتقاعدين عن الحقّ ، وعن السير إلى معارك شهداء العشق الذين قتلوا بسيوف المحبّة ، باشتغالهم بنفوسهم الأمّارة ، وهواها القاطع سبيل طلعة اللّه سبيل العار والشنار عليهم ؛ لأنّهم تركوا حظ الأكبر بالحظ الأصغر . قال النصر آبادي : ألزم اللّه الندم الأغنياء ؛ لأنهم اعتمدوا أملاكهم وأموالهم ، واستغنوا بها ، ولو اعتمدوا على اللّه ، واستغنوا به لما ألزموا المذمّة . ثم وصف تكلّف أهل الدنيا ، في إنفاقهم بالنفاق والرياء والسمعة ، ثم رأوا ذلك أيضا غرامة ؛ لأنهم لم يعرفوا ما يطلبون ، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 98 إلى 99 ] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 )