روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
39
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 100 إلى 101 ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 101 ) [ تفسير الآية 98 ] قال تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً : هكذا شأن من لم يذق ذوق السخاء في المعرفة . قيل : من يري الملك لنفسه ، كان ينفقه غرامة عنده ، ومن يري الأشياء للّه عارية في يده ، رأى ما ينفقه عنها إلّا غرما . ثم استثني من هؤلاء من تصديق اللّه ورسوله والدار الآخرة ، بنور قذفه اللّه في قلوبهم ، وشرح به صدورهم ، فينفقون على رجاء قربة اللّه . [ تفسير الآية 99 ] قال تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ يعني : مشاهدات ، وكشف حجاب ، ورجاء وصال . وَصَلَواتِ الرَّسُولِ : بأن يدعوا لهم ، ويستزيد لهم مزيد قربة اللّه . ثم قال تعالى على وجه استحسان ما أنفقوا له على أوليائه : أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ أي : إنها وسيلة إلى قربة اللّه ، بل من قربة اللّه منهم ، وفّقهم ببذل وجودهم له « 1 » . ثم وصفهم بأنهم سيدخلون في حضرته وقربته ، وحجاب مملكته ، ويرونه بلا حجاب ، ولا عتاب ، بقوله : سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : رحمة مشاهدته ، أن يسترهم بكنفه عن غيره . قال بعضهم : من طلب القربة إلى اللّه هان عليه ما يبذله في جنب ذلك ، وكيف ينال القربة إلى اللّه من لا يزال يتقرّب إلى ما يبعده من اللّه ، وهي الدنيا . [ تفسير الآية 100 ] ثم وصف اللّه أهل سعادة الكبرى من سوابق زمرة الأعلى ، الذائقون طعم مجالس دناني ، وكان قاب قوسين أو أدنى ، بقوله : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ أي : السابقون بالأرواح قبل الكون إلى مشاهدة الأزل ، بنعت المحبّة والمعرفة والشوق حين أوجدها الحقّ من مكمن الغيب ، وأحضرها لديه على جزائر النور ، ومجالس
--> ( 1 ) وقال ابن عجيبة : تقربهم إلى حضرة ربهم ، وهذا شهادة من اللّه لصحة معتقدهم وكمال إخلاصهم . البحر المديد ( 2 / 439 ) .