روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

37

عرائس البيان في حقائق القرآن

ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ : وصف اللّه زمرة أهل المراقبات ، ومجالس المحاضرات ، والهائمين في المشاهدات ، والمستغرقين في بحار الأزليات الذين أنحلوا جسومهم بالمجاهدات ، وأمرضوا نفوسهم بالرياضات ، وأذابوا قلوبهم بدوام الذكر وجولانها في الفكر ، وخرجوا بعقائدهم الصافية عن الدنيا الفانية بمشاهدته الباقية ، بأن رفع عنهم بفضله حرج الامتحان ، وأبقاهم في مجالس الأنس ، ورياض الإيقان . وقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ يعني : الذين أضعفهم حمل أوقار المحبّة . وَلا عَلَى الْمَرْضى : الذين أمرضهم مرارة الصبابات . وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ : الذين يتجرّدون عن الأكوان بتجريد التوحيد ، وحقائق التفريد . حَرَجٍ : عتاب من جهة العبودية والمجاهدة ؛ لأنّهم مقتولون بسيف المحبّة ، مطروحون بباب الوصلة ، ضعفهم من الشوق ، ومرضهم من الحبّ ، وفقرهم من حسن الرضا ، ثمّ زاد في وصفهم بالشفقة على دين اللّه ، وعلى سنّة رسوله ، بقوله : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . إذا عرفوا عباد اللّه طريق اللّه ، والأسوة بسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثمّ وصفهم بترائي قلوبهم هلال جلاله بنعت بذل أرواحهم ونفوسهم للّه في الخلوات ، وبيّن أنهم فائزون من نكايات المكر والامتحان ، وجميع البليّات والعقوبات ، بقوله : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي : ما على المشاهدين جلاله وجماله سبيل الحجاب ، وقارعة العتاب ؛ لأنّه كان في الأزل اختارهم برحمته السابقة ، وغفر في القدم تقصيرهم في المعرفة ، بأنّه علم أن الخلق يعجزون عن حمل بوادي عظمته ، وأوائل كشف سلطان كبريائه ، قال اللّه سبحانه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قال بعضهم في قوله : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ : من لم يكن من القدرة ، فقد رفع عنه الحرج . قال ابن طاهر : لو لم يكن في الفقر والقلّة إسقاط الحرج عن صاحبه ، لكان ذلك عظيما . قال اللّه : وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ . وقال القاسم : في قوله : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ : من يرى الإحسان كلّه من اللّه ، فلا يكون لأحد عليه سبيل ، وقد وقع لي في قوله : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي : ما على من أصفاه اللّه في سابق إحسانه عليه تغيير الاصطفائية قطّ ، وإحسانه للّه