روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
24
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 55 إلى 58 ] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) [ تفسير الآية 54 ] قوله تعالى : وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وصف اللّه الجاهلين بجلاله ، المحجوبين عن مشاهدة جماله ، الذين لم يذوقوا من عبودية خالقهم طعم وصاله ، ولو كانوا أهل الذوق من مناجاة اللّه في الصلاة وإدراك قرة العيون منها ، لكان حالهم كمال ما أخبر صلى اللّه عليه وسلّم عن المصلّي الصادق بقوله : « المصلي يناجي ربه » « 1 » . وما أخبر عن حال نفسه عليه السلام : « جعلت قرة عيني في الصلاة » « 2 » . ولكن خصّ اللّه هذه المراتب الشريفة بالخاشعين في جبروته ، والمتواضعين في الملكوت بقوله : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [ البقرة : 45 ] ، ووصفه إياهم بقوله : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [ المؤمنون : 2 ] . قال محمد بن الفضل : من لم يعرف الأمر ، قام إلى الأمر على حد الكسل ، ومن عرف الأمر قام إليه على حد الاستغناء والاسترواح . [ تفسير الآية 55 ] قوله تعالى : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إن اللّه سبحانه حذّر المؤمنين بما خاطب نبيه عليه السلام عما مع أهل الدنيا من الأموال والزينة أن يستحسنوها ، فيحتجبون بها عن عمل الآخرة ورؤيتها ، فإن الناظر إلى الدنيا بنعت استحسانها من حيث الشهوة والنفس والهوى ، يسقط في الساعة عن مشاهدة ملك الملكوت ، وأنوار الجبروت . وبيّن سبحانه أن أموال الدنيا سبب احتجابهم عن اللّه ، وإيصال العذاب إليهم ؛ لأن الدنيا إذا كثرت لم تخل من الحرام والشبهات ، ومن باشر الحرام ، وأكل الشبهات صار معذّبا بحجاب الباطن ، وعمي عن مكاشفة الآخرة ، وعذاب الظاهر بالغرامة في الدنيا والعذاب في الآخرة قال صلى اللّه عليه وسلم : « حلالها حسنات ، وحرامها عذاب » « 3 » . قال بعضهم : لا يعجبك ما يتزينون به من صنوف الأموال والعبيد والخدم ، ويستكثرون به من أولاد .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 198 ) . ( 2 ) رواه أحمد في المسند ( 3 / 128 ) . ( 3 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 5 / 283 ) ، وفيه ( نجاسة ) بدل ( حسنات ) .