روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
18
عرائس البيان في حقائق القرآن
وهو تعالى يقول : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أنه سبحانه تقدس عن كل مكان ، ولكن هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وينشد : يا طالب اللّه في العرش الرفيع به * لا تطلب العرش إن الحبّ فاره لي نكتة عجيبة في قوله تعالى : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ في قوله صلى اللّه عليه وسلم لصاحبه : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا هذا نفى الاتحاد بالوحدانية ، كما نفى عن عيسى وأمه حين زعموا النصارى أن اللّه ثالث ثلاثة ، فقال : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ [ المائدة : 73 ] نفى الإلوهية عن الروح والصدّيقية ، كما نفى هاهنا عن سيد المرسلين ، وسيد الصدّيقين حتى لا يظن ظان أن من العرش إلى الثرى لم يكن في ساحة الكبرياء والأزلية أثر ؛ لأن الألوهية القديمة ممتنعة عن الانقسام والافتراق والاجتماع ، وتحقيق ذلك قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وتلويح ذلك نفي الاتحاد ، وإظهار الانبساط ، ودليل الإشارة بقوله : لا تَحْزَنْ أثبت الحزن في طلب أبي بكر رضي اللّه عنه ، وذلك الحزن حزن فوت الحال ، والوقت في زمان البأس والابتلاء ، وعرف عليه السلام أن الوقت والحال لا يفوت عنا ، فهو تعالى معنا بالكشف والوقت والحال ، بقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، ثم زاد في حدث الكشف والوصال حيث حزن صاحبه لأجلها بقوله : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ إشارة أن سكينته نزلت من عند اللّه على قلب محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، وتلك زيادة وضوح الكشف والمداناة ، النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مستقيما في الأحوال كلها ، وما حزن لأجل الفوت ، ولكن أنزلت السكينة عليه ؛ لأجل زيادة استقامة قلب الصدّيق ، وذهاب الحزن عنه ؛ ليستضيء نورها من جمال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولو أنزلت على الصدّيق بغير واسطة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لذاب تحت إشراق سلطان أنوار القدم ؛ لأن تلك البرهاء في تلك الأوقات لا يحتملها إلا المرسلون من أولي العزم ، كما قال : أنزل سكينة أبي بكر على محمد ، وإن كان البهاء راجعا إلى اللّه سبحانه ، ويحتمل أن السكينة نزلت على أبي بكر ، فأما النبي صلى اللّه عليه وسلم فكانت السكينة عليه ، قيل ذلك . قال بعضهم : السكينة لأبي بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلوات اللّه عليه من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » . قال بعضهم : السكينة سكون القلب إلى ما يبدو من مجاري الأقدار . وقال ابن عطاء : يحتمل أن أبا بكر لم يكن محزونا ، ولكن النبي صلى اللّه عليه وسلم لشفقته عليه ، حذر ما
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .