روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
19
عرائس البيان في حقائق القرآن
يجوز أن يكون في ذلك الحال ، فقال له : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . قال أبو بكر بن طاهر : دعا الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأخص أسمائه وأرفعها ، وقدّم اسمه على صفتهما . وقال موسى : إِنَّ مَعِي رَبِّي [ الشعراء : 62 ] : فدعاه باسم التربية ، وهو من عموم الأسماء ، وقدّم اسمه على اسم ربه ، فقال : إِنَّ مَعِي رَبِّي : فلذلك عصم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم عن الشرك ، وابتلى أمة موسى عليه السلام بعبادة العجل . وههنا أن موسى عليه السلام كان غيورا ، فلم ير في البين أحدا من غيره على لجّه ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج من حد الغيرة هاهنا ؛ لأنه كان غنيّا بالمشاهدة ، وكان موسى في محل الافتقار إلى المشاهدة . وقال الكليم : إِنَّ مَعِي رَبِّي . قال الحبيب صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّ مَعِي رَبِّي ، فوقع موسى في رؤية الصفات ، حيث سمى بالرب ، ووقع النبي صلى اللّه عليه وسلم في رؤية الذات بما سماه باسم الجمع ، وهو قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، وزاد عليه نعمته بقوله : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها هذه الجنود جنود عساكر تجلّي جمال الأزل ، أنزلت على أسراره ؛ لأنها تطيق حملها ، فإن في الكون لم يكن لتلك الجنود محل قبولها . وقال جعفر في قوله : بِجُنُودٍ اليقين والثقة باللّه ، والتوكّل عليه . ويقال : كان الرسول عليه السلام ثانِيَ اثْنَيْنِ بظاهر شبحه ، ولكن كان مستهلك الشاهد في الواحد بسره ، ثم وصف منّته سبحانه على الكل ، بإذهابه ظلمة الطبائع ، وإخراجه أنوار الشرائع ، بقوله : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا جعل الدعاوى الباطلة فانية تحت أنوار التوحيد ، والحقيقة كلمة انفراده بفردانيته ، وعلوّه بنعت التنزيه والتقدير عن ظنون خلقه ، بأنه عزيز بعز الكبرياء ، وحكيم في اختصاص أوليائه بكشف البقاء ، ثم إن اللّه سبحانه حث الجميع على التسارع ببذل القلوب والأرواح والأشباح إلى ميادين الوحدانية والفردانية ؛ لرؤية جماله ، وكشف جلاله ، وإدراك وصاله ، بقوله : [ تفسير الآية 41 ] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا أي : انفروا إلى أبواب الأزل خفافا بالعقول القدسية ، وثقالا بالقلوب الملكوتية ، وأيضا خفافا بالأرواح الروحانية ، وثقالا بالقلوب السماوية ، وأيضا خفافا بالإرادات الصادقة ، وثقالا بالمحبة المفرطة ، وأيضا خفافا بالإيمان ، وثقالا بالإيقان ، وأيضا خفافا بالأنس ، وثقالا بالقدس ، وأيضا خفافا بأنوار المودة ، وثقالا بأمانات المعرفة ،