روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

11

عرائس البيان في حقائق القرآن

ويظهر للخلق أحسن ما عنده ، وينظر إلى نفسه بعين الرضا عنها ، بما أظهر عليها من زينة العبادات ، وينجّس باطنه بمخالفة ما أظهره من الرياء والشهوات ، وسائر المخالفات ، فذاك المشرك في عبادته ، النجس باطنه ، ولا يصلح لبساط القدس إلا المقدّس ظاهرا وباطنا ، سرّا وعلنا ؛ لأن اللّه تعالى قال : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، ومن كان نجسا ، فإن الأمكنة لا تطهّره ، وستر الظاهر عليه لا ينظّفه . وقال الأستاذ : فقدوا طهارة الإسرار بماء التوحيد ، وبقوا في قذرات الظنون والأوهام ، فمنعوا قربان المساجد التي هي مشاهد القرب . ثم إنّ اللّه سبحانه وعد العارفين بأن يكسوهم كسوة غنى بقائه ؛ حتى لا يحتاجوا للنظر إلى سواه بقوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ « 1 » : إذا أخرجتم أهل الدنيا من بين سفير الأعلى من المقرّبين الذين نعوتهم الفقر ، وسماتهم التصوّف والعبادة ، ويخطر على قلوبكم انقطاع مواساتهم لكم ، فأنا أغنيكم عمّا سواي ، وأرزقكم من غير وسيلة تحتجبون بها عني . قال الأستاذ : توقّع الإرفاق من الأسباب ، من قضايا انغلاق باب التوحيد ، ومن لم يفرد معبوده بالقسمة يبقى في فقر سرمدي . ويقال : من أفلح بعفو وكرم مولاه ، واستمطر سحاب جوده غناه عن كلّ سبب ، وكفاه كلّ تعب ، وقضى له كلّ سؤل وأرب ، وأعطاه من غير طلب . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 31 إلى 33 ] اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 )

--> ( 1 ) أي : فقرأ بسبب منع المشركين من الحرم ، وكانوا يجلبون لها الطعام ، فخاف الناس قلة القوت منها ، إذا انقطع المشركون عنهم ، فوعدهم اللّه بالغنى بقوله : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من عطائه وتفضله بوجه آخر . وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا ، وأسلمت العرب كلها ، وتمادى جلب الطعام إلى مكّة ، ثم فتح عليهم البلاد ، وجلبت لهم الغنائم ، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض ، وما زال كذلك إلى الان ، وقيده بالمشيئة ؛ لتنقطع الآمال إلى اللّه ، ولينبه على أنه متفضل في ذلك وإن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض ، وفي عام دون عام . البحر المديد ( 2 / 394 ) .