علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )
54
تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء
قالوا : وهو الجسد الذي ألقي على كرسيّه « 1 » ، وهذا يعضده الخبر الصّحيح ، ويتصوّر العتاب فيه من ترك الاستثناء ، فإنّه أولى ، فإن كان تركه بعد ما أمر به ، فتركه ناسيا . وقد ذكر المفسّرون أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - لمّا طلب منه اليهود أن يخبرهم عن قصّة أصحاب الكهف ، فقال : غدا أخبركم بها ، ونسي الاستثناء ؛ أبطأ الوحي عنه أيّاما حتّى نزلت عليه القصّة . وقيل له مع ذلك « 2 » : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 18 / 23 - 24 ] ، معناه : إذا نسيت الاستثناء ثم تذكّرت فاستثن بالمشيئة . وفي هذا أنّ الاستثناء بعد مدّة يرفع الحرج ولا يرفع الكفّارة ، ولذا أجازه ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - بعد سنة « 3 » . فخرج من عموم ما ذكرناه في جميع القصّة أنّ العتاب من اللّه تعالى لسليمان - عليه السلام - إذا صحّ إنّما كان على تركه الأولى من المباحات . والأظهر في هذا الحديث أنّه ترك مندوبا إليه ، ومن ترك المندوب فلا إثم عليه ، فهو بمثابة ترك المباح في نفي الذّنب كما تقدّم ، واللّه الموفّق للصّواب .
--> ( 1 ) وقيل في ( الجسد ) المذكور أقوال منها : - أن الجسد هو آصف بن برخيا الصدّيق كاتب سليمان . - وقيل هو سليمان عليه السلام نفسه ، وذلك أنه مرض مرضا شديدا حتى صار جسدا ، وقد يوصف به المريض المضنى فيقال : كالجسد الملقى . ( 2 ) وفي كتب التفسير وأسباب النّزول - والعبارة في القرطبي 10 / 385 - : عاتب اللّه تعالى نبيه عليه السّلام على قوله للكفار حين سألوه عن الرّوح والفتية وذي القرنين : غدا أخبركم بجواب أسئلتكم ولم يستثن في ذلك . فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما حتى شقّ ذلك عليه وأرجف الكفار به فنزلت سورة الكهف مفرّجة . ( 3 ) حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان حالفا . قال القرطبي : وهو قول مجاهد .