علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )
44
تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء
ولي زوجان أنزل لك عن إحداهما ، فقال له عبد الرحمن : بارك اللّه لك في أهلك ومالك ، أرني طريق السّوق « 1 » . ووجه الاستدلال بهذا الحديث قوله بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنزل لك عن إحداهما ، فأقرّه النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - على هذا القول ولم ينكره عليه وهو لا يقرّ على منكر ، وهو المعلّم الأكبر صلوات اللّه عليه وتسليمه ، فلم يبق إلّا الإباحة ، لكنّ تركها بمعنى الأولى والأحرى في كمال منصب النّبوّة كان أولى وأتمّ . وأما قوله : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي غلبني فنزلت له عنها ، فهو غلب الحشمة لا غلب القهر ، لعظم منزلة السّائل في قلب المسؤول ، ولا غلب الحسّ بالقهر المنهيّ عنه ، فإنه ظلم منهيّ عنه شرعا تتحاشى عنه الأنبياء عليهم السلام كما تقدّم . فإن قيل : كان داود عليه السلام خليفة وصاحب سيف ، والمطلوب منه رعيّة ، ومن شأن الرّعيّة هيبة الملوك والمبادرة لقضاء حوائجهم لكونهم قاهرين لهم ، فيقضون حوائجهم باللّين خوفا من العنف والإكراه ، وفي سؤال داود عليه السّلام حمل على المسؤول من هذا الباب . قلنا : صحيح ما اعترضت به ، إلّا أنّ هذا الحمل على المسؤول لا يتصوّر إلّا فيمن عهد منه الظّلم والغضب من الأمراء ، وأمّا من عهد منه العدل والإحسان كخلفاء الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان ، فلا يتصوّر ذلك في حقّهم إذا منعوا المباحات ، وإذا لم يتصوّر ذلك في حقّهم مع عدم العصمة فما ظنّك بالمعصومين المنزّهين عن الخطايا تنزيه الوجوب كما تقدّم ؟ فبطل اعتراض هذه القولة في حقّ داود عليه السّلام في هذا الباب .
--> ( 1 ) الخبر مشهور . انظر مثلا طبقات ابن سعد 3 / 125 وفيه : ( فقال له سعد بن الربيع : هذا مالي فأنا أقاسمكه ، ولي زوجتان فأنا أنزل لك عن إحداهما فقال : بارك اللّه لك ، ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم . . ) إلى آخر الخبر .