علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )

45

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء

وأمّا قوله للخصم : لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ففيه اعتراض من وجه آخر نتخلّص منه ونرجع إلى ما نحن بسبيله . قالوا : كيف يكون داود - عليه السّلام - من خلف اللّه في أرضه ويقطع على الظّلم بقول الواحد قبل أن يسمع قول الآخر ؟ . فالجواب عن هذا يتصوّر من وجهين : أحدهما : أنه سمع من الآخر حجّة لا تخلّصه ، فقال للأوّل : لَقَدْ ظَلَمَكَ أو صدّقه الآخر في قوله ، فقال للأوّل : لَقَدْ ظَلَمَكَ . والثاني أن يقول : لَقَدْ ظَلَمَكَ بإضمار « إن كان حقّا ما تقول » . وهذا سائغ . وأما أن يقول له : لَقَدْ ظَلَمَكَ من غير أن يسمع حجّة الآخر ، فهذا لا نسوّغه في حقّ عاقل منصف ، فكيف في حقّ من آتاه اللّه الحكمة وفصل الخطاب ؟ ! . ألا ترى موقف يعقوب - عليه السّلام - لمّا جاءه بنوه عشيّا يبكون وهم جماعة فقالوا ما قالوا ، فقال : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً [ يوسف : 12 / 18 ] ، ولم يقبل أقوالهم ولا دموعهم بغير دليل ، فكيف يقبل داود عليه السّلام قول الخصم من غير حجّة ، حتّى يقول له : لَقَدْ ظَلَمَكَ ؟ هذا لا يصحّ في حقّه . وأمّا قوله للخصم : لَقَدْ ظَلَمَكَ ، فعنى به : بخسك وغبنك في قول كان غيره من المباحات أولى بك منه . وحدّ الظّلم في اللّسان : وضع الشّيء في غير موضعه . وقد قدّمنا أنّ قول قائل لغيره : أكفلني زوجك ، ليس بظلم منهيّ عنه شرعا ، فلم يبق إلّا ما ذكرناه في حقّه . وأمّا قوله : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ « 1 » [ ص :

--> ( 1 ) الخلطاء : قيل هم الأصحاب ، وقيل : الشركاء .