عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
660
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
من حيث كان كل واحد منهما غير مبيّن ، ويبين ذلك إسكانه الياء من " نجّي " ، ولو كان فعلا ماضيا مبنيّا للمفعول به ، لكان " نجي " مفتوح الآخر ، فإسكان الياء يدل على أنه فعل مضارع ، وأنه يريد " ننجي " ، كما قرأه غيره . ومما يؤكد ذلك ويوضحه نصب " المؤمنين " ولو كان على ما لم يسمّ فاعله لوجب أن يرتفع . فإن قيل : إنه يسند الفعل إلى المصدر ويضمره ؛ لأن الفعل دلّ عليه ، كما قال الشاعر : ولو ولدت [ قفيرة ] « 1 » جرو كلب * لسبّ بذلك الجر والكلابا « 2 » أراد : لسبّ السبّ ، فأضمره لدلالة الفعل عليه ، فإن ذلك مما يجوز في ضرورة الشعر لا في حال الاختيار والسّعة ، والقراءة لا تحمل على الضرورات . فإن قيل : إنه في الخطّ بنون واحدة ؟ قلت : إنما حذفت النون من الخطّ ؛ كراهية لاجتماع صورتين متّفقتين ، كما كتبوا : الدّنيا والعليا بألف ؛ كراهة اجتماع ياءين ، ولولا الياء التي قبل الألف لكتبوها بالياء ، كما كتبوا : بهمى وحبلى وأخرى ونحو ذلك . وهذا الذي ردّه الزجاج وأبو علي من الإعراب هو الوجه الذي نحله القراء وأكثر النحويين الذين تغلغلوا في تصحيح هذه القراءة ، وقد قالوا في تعليلها وجوها بعيدة ، منها : أنهم قالوا : " نجّي " فعل مضارع أصله : ننجي ، فحذفت النون الثانية كما تحذف إحدى التاءين من " تتذكر " ، وقيل : أبدلوا من النون جيما ، وقيل :
--> ( 1 ) في ب : ففيرة . والمثبت من المصادر التالية . وقفيرة : اسم أم الفرزدق . ( 2 ) البيت لجرير . ولم أقف عليه في ديوانه . انظر : خزانة الأدب ( 1 / 337 ) ، والخصائص ( 1 / 397 ) ، وشرح المفصل ( 7 / 75 ) ، وهمع الهوامع ( 1 / 162 ) ، والحجة للفارسي ( 3 / 160 ) .