عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي

428

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا إن قيل : قد تكرر هذا في مواضع من القرآن ، وجاء في موضعين بغير « من » وهما في الأنبياء : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا [ 7 ] ، وفي الفرقان : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ 20 ] فهل بين إثبات « من » وحذفها فرق ؟ قلت : « من » لابتداء الغاية ، وذلك الزمان الذي تقدم زمانك ، فإذا قال : « من قبلك » فكأنه قال من ابتداء الزمان الذي تقدم زمانك ، فيشمله بحدّيه ، ويتناول طرفيه ، وإذا حذفت « من » فهو في الاستيعاب كالأول ، إلا أن الأول أوكد لضبطه بذكر الطرفين ، وإنما حذفت من « الأنبياء » بناء على ما تقدم من قوله : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ [ 6 ] ، وحذفت في « الفرقان » ولم تؤكد ب « من » ؛ لأن المعتمد إنما هو حال المرسلين وأنهم يأكلون الطعام وليسوا بملائكة ، وهذا رد لقولهم : لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [ فصلت : 14 ] . والمعنى : ما بعثنا في الأمم الخالية إلا رجالا كانوا على مثل حالك ، فما وجه تعجبهم من إرسالك ؟ يوحي إليهم وقرأ حفص : « نوحي إليهم » بالنون هنا وفي النحل « 1 » . مِنْ أَهْلِ الْقُرى قال ابن عباس : يريد أهل المدائن ؛ لأن اللّه تعالى لم يبعث نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء « 2 » . والسرّ فيه : أن أهل البادية يغلب عليهم القسوة والجفاء ، وأهل المدن أعلم

--> ( 1 ) الحجة للفارسي ( 2 / 455 ) ، والحجة لابن زنجلة ( ص : 365 ) ، والكشف ( 2 / 14 - 15 ) ، والنشر لابن الجزري ( 2 / 296 ) ، وإتحاف فضلاء البشر ( ص : 268 ) ، والسبعة في القراءات ( ص : 351 ) . ( 2 ) وهو قول الحسن أيضا . انظر : الوسيط ( 2 / 638 ) ، وزاد المسير ( 4 / 295 ) من قول الحسن .