عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
223
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
تسقط عليهم ، فخرجوا منها فأصابهم حرّ شديد ، فبعث اللّه تعالى الظلّة [ فتنادوا ] « 1 » : هلمّوا إلى الظلّ ، فدخلوا جميعا إلى الظلّة ، فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم « 2 » . فإن قيل : لم جاء هاهنا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ وجاء في الأخرى قبلها : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ؟ قلت : قد سبق في مواضع أن الفعل إذا حصل فجائز التذكير والتأنيث ، والتذكير عندهم أحسن طلبا للخفة ، غير أنك إذا تدبرت هذا الجائز لا تراه منفكا عن مطابقة ومشاكلة تزيده حسنا ومذهبا مقصودا في باب البلاغة والفصاحة ، فقال سبحانه وتعالى هاهنا : وَأَخَذَتِ ؛ لأن بعدها كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ . وقال : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها [ الحج : 46 ] ولم يقل : فيكون ، لقوله : « بها » . وقوله : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] فكل ذلك مؤنث ، فلذلك كان التأنيث في قوله : « فتكون » أحسن . وقال تعالى : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [ إبراهيم : 50 ] فجاء بالتاء مع الفعل لقوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ [ إبراهيم : 48 ] ، فاعتبر بهذا التقدير ما يرد عليك في كتاب اللّه تعالى من هذا النوع ، فإنه كثير الوقوع ، وتدبره على الوجه المذكور من طلب المطابقة والمشاكلة ، تجده إن شاء اللّه على ما بيّنته وذكرته . وقيل : إنما اختير في قصة شعيب التأنيث ؛ لأن اللّه تعالى أخبر عن هلاك قوم شعيب بثلاثة ألفاظ منها : « الرجفة » في قوله تعالى في قصته في الأعراف :
--> ( 1 ) في الأصل : فنادوا . والتصويب من زاد المسير ( 4 / 154 ) . ( 2 ) أخرجه ابن أبي حاتم ( 6 / 2079 ) . وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ( 4 / 154 ) .