عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
148
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
قال الفراء « 1 » : وهذا مما حوّلت العرب الفعل إليه ، وهو في الأصل لغيره ، كقولهم : دخل الخاتم في يدي ، والخفّ في رجلي ، وإنما الإصبع تدخل في الخاتم والرّجل في الخفّ . واستجازوا ذلك إذا كان المعنى معروفا . وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر : « فعمّيت » بتشديد الميم وضم العين « 2 » ، بمعنى : أخفيت عليكم . ويؤيدها قراءة أبي بن كعب : « فعمّاها عليكم » « 3 » . أَ نُلْزِمُكُمُوها أي : أنكرهكم على قبولها ، وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ . قال قتادة : واللّه لو استطاع نبي اللّه ألزمها قومه ، ولكن لم يملك ذلك « 4 » . وقرأت على شيخنا أبي البقاء عبد اللّه بن الحسين النحوي لأبي عمرو من رواية
--> ( 1 ) معاني الفراء ( 2 / 12 ) . ( 2 ) الحجة للفارسي ( 2 / 388 ) ، والحجة لابن زنجلة ( ص : 338 ) ، والكشف ( 1 / 527 ) ، والنشر ( 2 / 288 ) ، وإتحاف فضلاء البشر ( ص : 255 ) ، والسبعة في القراءات ( ص : 332 ) . ( 3 ) انظر : زاد المسير ( 4 / 97 ) . قال الزمخشري في الكشاف ( 2 / 369 ) : فإن قلت : فما حقيقته ؟ قلت : حقيقته : أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة ، جعلت عمياء ؛ لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره ، فمعنى فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ : البينة ، فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد . فإن قلت : فما معنى قراءة أبيّ ؟ قلت : المعنى : أنهم صمموا على الإعراض عنها ، فخلاهم اللّه وتصميمهم ، فجعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه قوله : أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ يعني : أنكرهكم على قبولها ، ونقسركم على الاهتداء بها ، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ، ولا إكراه في الدين . قال أبو حيان في البحر المحيط ( 5 / 217 ) : وتوجيهه في قراءة أبيّ هو على طريقة المعتزلة . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 12 / 29 ) ، وابن أبي حاتم ( 6 / 2023 ) . وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 4 / 416 ) وعزاه لابن جرير وأبي الشيخ .