عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي

136

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز

فإن قيل : فما المختار عندهم ؛ الحذف - كما جاء هاهنا - ؟ أم إثبات النون كما جاء في قوله تعالى : فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [ السجدة : 23 ] ؟ قلت : الحذف إذا تعلقت بالجمل الكثيرة ؛ لأن الكثرة أحد سببي جواز حذفها ، وهذه الكثرة نعني بها في أمر الأفعال التي هي كان ، ونعبر بها عن كل فعل ، وكثرة الجمل هي التي تثقلها تعلقت بها من قبلها أو من بعدها . فقوله هاهنا : « فلا تك » جاء بعد أن تعلق بآيات ذوات جمل تقدمته وهي : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ . . . الآية ، وكذلك قوله : وَلَمْ تَكُ شَيْئاً في مريم جاء بعد قوله : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ إلى قوله : وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [ مريم : 8 - 9 ] . وأما قوله تعالى : فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [ السجدة : 23 ] فإنه لم يتقدمه من الجمل ما يثقله . وأما قوله تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ فإنها تعلقت بما بعدها إلى آخر الآية . وقرأت على شيخنا أبي البقاء : « مرية » بضم الميم حيث جاء في القرآن ، وهي قراءة الحسن وقتادة « 1 » . أي : لا تك في شك من أن موعد الكفار من الأحزاب النار . وقيل : فلا تك في مرية من القرآن . وقد سبق الكلام على نظائر هذا . ثم استأنف فقال : إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ قال ابن عباس : يعني : أهل مكة لا يؤمنون أنه الحق « 2 » .

--> ( 1 ) زاد المسير ( 4 / 89 ) . ( 2 ) ذكره الواحدي في الوسيط ( 2 / 568 ) ، وابن الجوزي في زاد المسير ( 4 / 89 ) .