ابن عربي
90
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ الخشوع : ] الخشوع مقام الذلة والصغار ، وهو نعت محمود في الدنيا على قوم محمودين ، وهو نعت محمود في الآخرة على قوم مذمومين شرعا ، وفيهم قال تعالى « خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ » ولا يكون الخشوع حيث كان إلا عن تجل إلهي على القلوب ، في المؤمن عن تعظيم وإجلال ، وفي الكافر عن قهر وخوف وبطش ، قال عليه السلام : [ إن اللّه إذا تجلى لشيء خشع له ] « يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ » إلى إله قاهر عليّ ، فإن هذا النظر حال الذليل لا يقدر يرفع رأسه من القهر ، وذلك الخشوع من الكافر يوم القيامة والذلة والنظر المنكسر الذي لا يرفع بسببه رأسه إنما هو للّه تعالى ، خوفا منه ، فلو راقبوه في دنياهم أمنوه في أخراهم ، وهذا كان حال المؤمن في الدنيا ، فمن لم يتضع هنا اتضع هناك ، ومن لم يخشع هنا خشع من الذل هناك ، فلتبشر الخاشعين في هياكل الظلم بالسرور في هياكل النور ، ولما كان هذا حال المؤمن في الدنيا لخوفه من اللّه تمم « وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ » . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 46 إلى 48 ] وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ( 47 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 )