ابن عربي

89

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

به ، فشرع اللّه لنا في بعض الحقوق أنا إذا تركناها كان أعظم لنا ، وجعل ذلك من مكارم الأخلاق فقال : « فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » أي هذه صفة الحق فيمن عفى عنه ، فيما هو حق له معرى عن حق الغير ، فإقامة العدل إنما هو في حق الغير ، وما كان اللّه ليأمر بمكارم الأخلاق ولا يكون الجناب الإلهي موصوفا به ، فكذلك يفعل مع عباده فيما ضيعوه من حقه وحقوقه ، يعفو ويصفح ويصلح ، فيكون المآل إلى رحمة اللّه في الدارين ، فتعمهم الرحمة حيث كانوا ولا يستوون ، فما أمرك بالعفو عمن جنى عليك إلا ليعفو عنك إذا جنيت عليه في ظنك ، ولو علم الناس قدر ما نبهنا عليه في هذه المسألة ما جازى أحد من أساء إليه بإساءة ، فما كنت ترى في العالم إلا عفوّا مصلحا ، فإن المسئ في حقنا ، الذي خيرنا اللّه بين جزائه بما أساء وبين العفو عنه لما أساء ، أعطانا من خير الآخرة ما نحن محتاجون إليه ، حتى لو كشف اللّه الغطاء بيننا وبين ما لنا من الخير في الآخرة في تلك المساءة حتى نراها عيانا ، لقلنا إنه ما أحسن أحد في حقنا أحسن من هذا الذي قلنا إنه أساء في حقنا ، فلا يكون جزاؤه عندنا الحرمان ، فنعفو عنه فلا نجازيه ، ونحسن إليه مما عندنا من الفضل على قدر ما تسمح به نفوسنا ، فإنه ليس في وسعنا ولا يملك مخلوق في الدنيا ما يجازي به من الخير من أساء إليه ، ولا يجد ذلك الخير ممن أحسن إليه في الدنيا ، فمن كان هذا عقده ونظره كيف يجازي المسئ بإساءته إذا كان مخيرا فيها ، ولو لم يكن ثم إخبار من اللّه بالخير الأخروي لمن أسيء إليه إذا صبر ولم يجاز لكان المقرر في العرف كافيا فيما في التجاوز والعفو والصفح عن المسئ ، فإن ذلك من مكارم الأخلاق ، ولولا إساءة المسئ إليّ ما اتصفت أنا ولا ظهرت مني هذه المكارم من الأخلاق ، كما أني لو عاقبته انتفت عني هذه الصفات في حقه ، وكنت إلى الذم أقرب مني إلى أن أحمد علي العقاب ، فكيف والشرع قد جاء في ذلك بأن أجر من يعفو ويتجاوز ولا يجازي أنه على اللّه ؟ . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 41 ] وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) من طلب حقه واستقصاه فلا يلام . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 42 إلى 45 ] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 )