ابن عربي

550

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة النصر ( 110 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) هذا أمر ، أي اشغل نفسك بتنزيه ربك والثناء عليه بما هو أهله ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ] هذا هو التسبيح بحمده ، فإذا قام فضول بالإنسان واستنبط له ثناء لم يجئ بذلك اللفظ خطاب إلهي فما سبحه بحمده ، بل بما استنبطه من عنده ، فينقص عن درجة ما ينبغي ، فقل ما قاله عن نفسه ولا تزد في الرقم وإن كان حسنا ، فإذا عملت به كنت من أهل الحق ، قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم « فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ » [ « فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً » الآية ] فاقتطعه بهذا الأمر من العالم لمّا كمّل ما أريد منه من تبليغ الرسالة ، وقال له تعالى « وَاسْتَغْفِرْهُ » من أيام التبليغ ، فطلب بالاستغفار أن يستره عن خلقه في حجاب صونه ، لينفرد به دون خلقه دائما ، فإنه كان في زمان التبليغ والإرشاد وشغله بأداء الرسالة ، فإن له وقتا لا يسعه فيه غير ربه ، وسائر أوقاته فيما أمر به من النظر في أمور الخلق ، فرده إلى ذلك الوقت الواحد الذي كان يختلسه من أوقات شغله بالخلق ، وإن كان عن أمر الحق « إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً » أي يرجع الحق إليك الرجوع الخاص الذي يربو على مقام التبليغ ، وهو المحادثة برفع الوسائط ، رجوعا مستصحبا لا يكون للخلق عندك فيه دخول بوجه من الوجوه ، ولما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة ، بكى أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وحده دون من كان في ذلك المجلس ، وعلم أن اللّه تعالى نعى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه ، وهو كان أعلم الناس به ، وأخذ الحاضرون يتعجبون من بكائه ولا يعرفون سبب ذلك : إذا رأيت وفود اللّه قد وصلوا * يأتون دين الإله الحق أفواجا فاستغفر اللّه واطلب عفوه كرما * وكن فقيرا إلى الرحمن محتاجا معاشر الناس إن اللّه أنبتكم * من أرضه نطفا في النشء أمشاجا وثم أولجكم لما أماتكمو * فيها لأمر أراد الحق إيلاجا وقد علمت بأن اللّه يخرجكم * بعد الممات من الأجداث إخراجا من بعد إنزاله من أجل نشأتكم * ماء كمثل منيّ الناس ثجاجا