ابن عربي

538

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

إليه ، وإن كان ممن له في نفس الأمر حكم واجب على أحد من المخلوقين أضيف إليه الحق ، فقيل : حق اليقين لوجوبه ، فلو كان علم اليقين وعينه وحقه نفس اليقين ما صحت الإضافة ، لأن الشيء الواحد لا يضاف إلى نفسه ، لأن الإضافة لا تكون إلا بين مضاف ومضاف إليه ، فتطلب الكثرة حتى يصح وجودها ، ومن أخذ الأشياء عن عين اليقين اتصف بالعلم اليقيني ، فإن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما جهله ولا يتصف باليقين ، ولهذا جاز أن يضاف العلم إلى اليقين ، وليس من إضافة الشيء إلى نفسه ، لا لفظا ولا معنى ، فأما اللفظ فإن لفظة اليقين ، ما هي لفظة العلم ، فجازت الإضافة . ومن طريق المعنى ، إن اليقين عبارة عن استقرار العلم في النفس ، والاستقرار ما هو عين المستقر ، بل الاستقرار صفة للمستقر ، وهي حقيقة معنوية لا نفسية ، فليست عين نفس العلم فجازت الإضاقة ، وإنما قلنا : إن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما هو جاهل به ، فهو قوله تعالى : ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ) فذكر أعلم في الصنفين ، ومن لم يفرق بين اليقين والعلم ويقول : إن العلم هو اليقين ، وقد ورد في كتاب اللّه مضافا ، احتاج إلى طلب وجه في ذلك تصح له به الإضافة ليؤمن بما جاء من عند اللّه ، فقال : قد يكون المعنى واحدا ويدل عليه لفظان مختلفان ، فيضاف أحد اللفظين إلى الآخر ، فإنهما غيران بلا شك في الصورة ، مع أحدية العين ، هكذا قال أصحاب اللسان ، وهو قول صحيح ، غير أن الإضافة هنا قد تقع في الصورة ، والصورة صورتان ، فإن في ذكر لفظين مختلفين صحة الإضافة لحق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين . وإنما احتال من احتال هذه الحيلة لقصور فهمه عما تدل عليه الألفاظ من الموضوعات من المعاني ؛ فلو علم ذلك لعلم أن مدلول لفظة العلم غير مدلول لفظة اليقين ، فقد علمنا علما يقينيا أن في العالم بيتا يسمّى الكعبة ، ببلدة تسمى مكة ، لا يتمكن لأحد الجهل بهذا ، ولا أن يدخله شبهة ، ولا يقدح في دليله دخل ، فاستقر العلم بذلك ، فأضيف إلى اليقين الذي هو الاستقرار أن للّه بيتا يسمى الكعبة ، بقرية تسمى مكة ، تحج الناس إليه في كل سنة ، ويطوفون به ، ثم شوهد هذا البيت عند الوصول إليه بالعين المحسوسة ، فاستقر عند النفس بطريق العين كيفيته وهيئته وحاله ، فكان ذلك عين اليقين الذي كان قبل الشهود علم يقين ، وحصل في النفس برؤيته ما لم يكن عندها قبل