ابن عربي

530

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

روينا من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال [ إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ] فالنية لجميع الحركات والسكنات من المكلفين للأعمال كالمطر لما تنبته الأرض ، فالنية من حيث ذاتها واحدة وتختلف بالمتعلق وهو المنوي ، فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها ، فإن حظ النية إنما هو القصد للفعل أو تركه ، وكون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا وخيرا أو شرا ما هو أثر النية ، وإنما هو أمر عارض ميّزه الشارع وعيّنه للمكلف ، فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة ، وإنما النية سبب في ظهور الأعمال الصالحة وغير الصالحة ، وليس لها إلا الإمداد ، وحقيقتها تعطي تعلقها بالمنوي ، وكون ذلك المنوي حسنا أو قبيحا ليس لها ، وإنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن والقبح ، فالمخاطب المكلف إن نوى الخير أثمر خيرا ، وإن نوى الشر أثمر شرا ، وما أتي عليه إلا من المحل من طيبه وخبثه ، فالإخلاص هو النية ، فإن فاتتك النية فاتك الخير كله ، فكثير ما بين فاعل بنية القربة إلى اللّه وبين فاعل بغير هذه النية ، والعبادة عمل وترك ، فالإخلاص مأمور به شرعا « الدِّينَ » وهو ما تعبدهم به « حُنَفاءَ » « وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ » فيجب تأخر العبد عن رتبة سيده ، وتخليص عبوديته للّه من غيره ، كما أقر له بذلك في قبضة الذرية ، يريد الحق أن يستصحبه ذلك الإقرار في حياته الدنيا موضع الحجاب والستر ، فإن الحق له التقدم على الخلق بالوجود من جميع الوجوه وبالمكانة والرتبة ، فكان ولا مخلوق ، هذا تقدم الوجود ، وقدّر وقضى وحكم وأمضى إمضاء لا يردّ ولا يقضى عليه ، فهذا تقدم الرتبة ، فلا يجتمع الخلق والحق أبدا في وجه من الوجوه ، فالعبد عبد لنفسه ، والرب رب لنفسه ، فأوجب على عباده التأخر عن ربوبيته ، فشرع له الصلاة ليسميه بالمصلي ، وهو المتأخر عن رتبة ربه ، فقال تعالى من باب الإشارة « وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ » فمن لزم رتبته منا فما جنى . على نفسه بل أعطى الأمر حقه « وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ » . [ سورة البينة ( 98 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ( 6 )