ابن عربي

531

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اعلم أن كل مشرك كافر ، فإن المشرك باتباع هواه فيمن أشرك واتخذه إلها وعدوله عن أحدية الإله ، يسترها عن النظر في الأدلة والآيات المؤدية إلى توحيد الإله فسمي كافرا لذلك الستر ظاهرا وباطنا ، وسمي مشركا لكونه نسب الألوهية إلى غير اللّه مع اللّه ، فجعل لها نسبتين فأشرك ، فهذا الفرق بين المشرك والكافر ، وأما الكافر الذي ليس بمشرك فهو موحد غير أنه كافر بالرسول وببعض كتابه ، وكفره على وجهين : الوجه الواحد أن يكون كفره بما جاء من عند اللّه مثل كفر المشرك في توحيد اللّه ، والوجه الآخر أن يكون عالما برسول اللّه وبما جاء من عند اللّه أنه من عند اللّه ويستر ذلك عن العامة والمقلدة من أتباعه رغبة في الرئاسة ، وهو الذي أراد عليه السلام بقوله في كتابه إلى قيصر [ فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ] أي الأتباع . [ سورة البينة ( 98 ) : الآيات 7 إلى 8 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 ) متعلق الرضا القليل ، فإن الإنعام لا يتناهى بالبرهان الواضح والدليل ، فلا بد من الرضى ، بذا حكم الدليل وقضى ، وبهذا المعنى رضاه سبحانه عنك بما أعطيته منك « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » لما كانت مواهب اللّه لا نهاية لها ، فما لها آخر ترجع إليه فتنقضي ، والعبد ما وفى فيما كلفه اللّه وسعه ولا حق استطاعته ، فصح وثبت « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » فيما أتوا به من الأعمال « وَرَضُوا عَنْهُ » ورضوا بما وهبهم مما عنده مما لا يتناهى كثرة ، فالرضا من صفات الحق والرضا من صفات الخلق بما ينبغي للحق وبما يليق بالمخلوق ، ورد في بعض الأخبار النبوية أن الناس في الجنة إذا أخذوا منازلهم فيها ، ناداهم الحق جل جلاله بالكلام الذي ينبغي أن ينسب إليه من غير تكييف ولا تشبيه [ يا عبادي هل بقي لكم شيء ] فيقولون : [ يا ربنا ما بقي لنا شيء ، نجيتنا من النار وأدخلتنا الجنة وكسوتنا وأطعمتنا وسقيتنا وفعلت وصنعت ، فيقول جل جلاله : وبقي لكم شيء ، فيقولون : يا ربنا وما بقي لنا ؟ فيقول : أن أعلمكم برضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا ، هل رضيتم ؟ فيقولون : رضينا