ابن عربي

493

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وتحقق بأن قسمه من اللّه ما هو عليه في الحال ، فجبر اللّه كسره بقوله [ أنا عند المنكسرة قلوبهم ] . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) إنما سمي المال مالا لأنه يميل بالنفوس إليه ، وإنما مالت النفوس إليه لما جعل اللّه عنده من قضاء الحاجات به ، وجبل الإنسان على الحاجة لأنه فقير بالذات ، فمال إليه بالطبع الذي لا ينفك عنه . [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 21 ] كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) لتجلي الحق ، إذا كانت كالعهن المنفوش ، فإن الجبال وهي لا تعرف التواضع ظهرت ابتداء بصورة القهر ، حيث سكنت ميد الأرض ، ويتجلى الحق يوم القيامة فتصير الجبال دكا دكا ، فتمد الأرض بمزيد امتداد الجبال وتصيرها أرضا ، فما كان منها في العلو في الجو إذا انبسط زاد في بسط الأرض . [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 22 ] وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وهو إتيان عام للاسم الرب للفصل والقضاء ، لأن هناك إتيان خاص بالرحمة لمن اعتنى به من عباده ، مثل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم [ إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ] وهذا الإتيان يوم القيامة للفصل والقضاء بين الناس ، فمن الناس من يقضى له بما فيه سعادته ، ومن الناس من يقضى له بما فيه شقاوته . [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 23 ] وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) « وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ » وما وصفها الحق بالمجيء من ذاتها ، فقال « وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ » يعني يوم القيامة ، وإنما امتنعت من الإتيان حتى جيء بها ، لما علمت بما هي عليه وبما فيها من أسباب الانتقام بالعصاة من المؤمنين ، وما وقعت عينها إلا على مسبح للّه بحمده ،