ابن عربي

494

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وفيها رحمة اللّه لكونها دخلت في الأشياء ، قال اللّه تعالى ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) فمنعتها الرحمة القائمة بها من الإتيان ، وأشهدتها تسبيح الخلائق وطاعتهم للّه ، فجيء بها ليعلم من لا يدخلها ما أنعم اللّه عليه به بعصمته منها ، ويعلم من يدخلها أنه بالاستحقاق يدخلها ، فتجذبه بالخاصية إليها جذب المغناطيس الحديد ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم [ إنه آخذ بحجز طائفة من النار وهم يقتحمون فيها تقحم الفراش ] . [ سورة الفجر ( 89 ) : آية 24 ] يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فإن الكافر الجاهل يكشف له الغطاء وتتبين له الأمور الواقعة في الدنيا ما أثمرت هنالك ، فيقول « يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي » لعلمه أنه كان متمكنا من ذلك فلم يفعل ، فعذابه ندمه ، وما غبن فيه نفسه أشد عليه من أسباب العذاب من خارج ، وهذا هو العذاب الأكبر . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 25 إلى 28 ] فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) النفس المطمئنة إذا رجعت راضية فهي النفس العالمة ، لأنها إن لم ترجع راضية من ذاتها رجعت كرها وأجبرت على الرجوع . واعلم أن الرضا والتسليم نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل اللّه ، فإن كان متعلق الرضا المقضي به . فيحتاج إلى ميزان شرعي ، وإن كان متعلق الرضا القضاء ، فإن كان القضاء يطلب القهر ويجد الراضي ذلك من نفسه ، فيعلم أن فيه نزاعا خفيا ، فيبحث عنه حتى يزيله ، وإن لم ير أن ذلك القضاء يطلب القهر ، فيعلم أنه الرضا الخالص الجبلي ، لأن الرضا من راض يروض ، ومنه الرياضة ، ورضت الدابة وهو الإذلال ، ولا يوصف به إلا الجموح ، والجموح نزاع ، إنما يراض المهر الصغير لجموحه وجهله بما خلق له ، فإنه خلق للتسخير والركوب والحمل عليه ، والمهر يأبى ذلك فإنه ما يعلمه ، فيراض حتى ينقاد في أعنة الحكم الإلهي ، وكذلك رياضة النفوس ، لولا ما فيها من الجموع لما راضها صاحبها ، فإذا خلقت مرتاضة بالأصالة فكان ينبغي أن لا يطلق عليها اسم راضية بل هي مرضية ، وإنما النفوس الإنسانية لما خلقها اللّه على الصورة الإلهية شمخت