ابن عربي

47

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وعصمنا وإياكم من أغاليط الأفكار ، وقدّس قلوبنا من دنس التعصب والإنكار ، على ما يظهر من المتقين الأبرار ، من غوامض العلوم والأسرار . فقد قال لهم هؤلاء المبشرون من الملائكة . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 31 ] نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) « نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » أي نحن كنا ننصركم في الحياة الدنيا ، في الوقت الذي كان الشيطان يلقي إليكم بلمته العدول عن الصراط الذي شرع لكم المشي عليه ، فكنا ننصركم عليه باللمة التي كنتم تجدونها في وقت التردد بين الخاطرين ، هل يفعل أو لا يفعل ؟ نحن كنا الذين نلقي إليكم ذلك في مقابلة العدو ، ونحن أيضا أولياؤكم « وَفِي الْآخِرَةِ » بالشهادة لكم أنكم كنتم تأخذون بلمتنا وتدفعون بها عدوكم ، فهذه ولايتهم في الآخرة ، وولايتهم أيضا بالشفاعة فيهم فيما غلب عليهم الشيطان في لمته ، فيكون العبد من أهل التخليط فتشفع الملائكة فيه حتى لا يؤاخذ بعمل الشيطان ، فهذا معنى قوله « وَفِي الْآخِرَةِ » [ الإرادة والشهوة : ] « وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ » من شهادتنا لها وشفاعتنا فيها في هذا الموطن « وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ » من الدعة ، وتدل هذه الآية على أن نشأة الآخرة طبيعية مثل نشأة الدنيا ، لأن الشهوة لا تكون إلا في النفوس الطبيعية ، يقول الحق في الآخرة إن لأهل السعادة ما تشتهي نفوسهم ، ولم يقل ما تريد نفوسهم ، والشهوة إرادة ، لكن لما لم يكن كل مراد يشتهى ، لم تكن كل إرادة شهوة ، فإن الإرادة تتعلق بما يلتذ به وبما لا يلتذ به ، ولا تتعلق الشهوة إلا بالملذوذ خاصة ، فأخذوا الأعمال بالإرادة والقصد ، وأخذوا النتائج بالشهوة ، فإن اللّه تعالى كساهم حلة الصفة الربانية ، فأعطى كل واحد منهم أن يقول للشيء كن فيكون ، وهذا سر وجود الغنى في الفقر ، ولا يشعر به كل أحد ، فإنه لا يقول لشيء كن فيكون حتى يشتهيه ، ولهذا قال تعالى : « وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ » فما طلب إلا ما ليس عنده ليكون عنده عن فقر لما طلب ، لأن شهوته أفقرته إليه ودعته إلى طلبه ، ليس ذلك المشتهى طلبه ، وعنده الصفة الربانية التي أوجبت له القوة على إيجاد هذا المشتهى والمطلوب ، فقال له : كن ؛ عن فقر بصفة إلهية ، فكان هذا المطلوب في عينه ، فتناول منه ما لأجله طلب