ابن عربي
449
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
في الأول إلا لعزة قامت بنفس أولئك ، مثل الأقرع بن حابس وغيره ، فقالوا : لو أفرد لنا محمد مجلسا جلسنا إليه ، فإنا نأنف أن نجالس هؤلاء الأعبد ، يعنون بذلك بلالا وخبابا وغيرهما ، فرغب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لحرصه على إيمانهم ولعلمه أنه يرجع لرجوعهم إلى اللّه بشر كثير ، فأجابهم إلى ما سألوا ، وتصدى إليهم لما حضروا ، وأعرض عن الفقراء ، فانكسرت قلوبهم لذلك ، فأنزل اللّه ما أنزل جبرا لقلوب الفقراء ، فانكسر الباقي من نفوس أولئك الأغنياء الأعزاء ، وقيل له : ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) و ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) ونزل عليه « عَبَسَ وَتَوَلَّى » ومع هذا وقع عليه صلّى اللّه عليه وسلّم العتب من حقيقة أخرى لا من هذه الحقيقة ، فإن اللّه تعالى ما يريد أن يعامله العبد بمعاملة واحدة في كل شيء ، بل يحمده في المواضع التي تطلب منه المحامد ، ويقبل عليه ، ويعرض عنه في المواضع التي يطلب منه الإعراض عنه فيها ، فلا يتعدى الميزان الذي يطلبه منه ولذلك قال تعالى معلما ومؤدبا لمن عظم صفة اللّه على غير ميزان . [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 2 إلى 3 ] أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) يعني ذلك الجبار ، وأن اللّه عند المنكسرة قلوبهم ، - أصحاب العاهات - غيبا ، وهو في الجبابرة المتكبرين ظاهر عينا ، وللظهور حكم أقوى ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم حريصا على الناس أن يؤمنوا بوحدانية اللّه ، وإزالة العمى الذي كانوا عليه ، ويترجم عن هذا الإعراض منه صلّى اللّه عليه وسلّم لسان الحقيقة ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم : كان يحب الفأل الحسن ، وبعثه بدعوة الحق ، وإظهار الآيات إنما يظهرها لمن يتصف بأنه يرى ، فلما جاءه الأعمى قام له حقيقة من بعث إليهم وهم أهل الأبصار ، فأعرض وتولى لأنه ما بعث لمثل هذا ، فهذا كان نظره صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما عتبه سبحانه فيما علمه ، وإنما عتبه جبرا لقلب ابن أم مكتوم وأمثاله ، لأنهم غائبون عن الذي يشهده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو أنه لم يشاهد سوى الحق ، فأينما يرى الصفة التي لا تنبغي إلا للّه عظّمها ، ولم يشاهد معها سواها ، وقام لها ووفّاها حقها ، مثل العزة والكبرياء والغنى ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليس له مشهود إلا صفة الحق حيث ظهرت من الأكوان ، فإذا رآها أعمل الحيلة في سلبها عن الكون الذي أخذها على غير ميزانها ، وظهر بها في غير موطنها ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم غيور ، فمن العجب أن المشاهد غنى الحق الذي هو صفته في غنى العالم ، فلا يشاهد