ابن عربي

450

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

إلا حقا ، ولا يكون القبول والإقبال إلا على صفة حق ، كيف يعتب على ذلك من هو بهذه المثابة ؟ فقيل له عندما جاء الجبار الأعمى البصيرة ، تأديبا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في ظاهر الأمر ، وهو يؤدبنا به لنتعلم « أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى » فنبهه ببنية الاستفعال ، وهنا ذكر الحق الصفة ولم يذكر الشخص ، والغنى صفة إلهية ، فما حادت عين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا إلى صفة إلهية ، لتحققه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأراد الحق أن ينبهه على الإحاطة الإلهية ، فلا تقيده صفة عن صفة ، فليس شهوده صلّى اللّه عليه وسلّم لغناء الحق في قوله ( اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) بأولى من شهوده صلّى اللّه عليه وسلّم لطلب الحق في قوله ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وأين مقام الغنى من هذا الطلب ؟ فغار عليه سبحانه أن تقيده صفة عن صفة ، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يظهر لأولئك من البشاشة على قدر ما يليق بهم ، ويظهر للأعمى من الفرح به على قدر ما تقع به المصلحة في حق أولئك الجبابرة ، فإن التواضع والبشاشة محبوبة بالذات من كل أحد ، فإنها من مكارم الأخلاق ، وما زال اللّه يؤدب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى تحقق بالأدب الإلهي فقال [ إن اللّه أدبني فأحسن أدبي ] فإن اللّه له نسبة إلى الأغنياء كما له نسبة إلى الفقراء ، فقال تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 4 إلى 5 ] أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) [ لمن تصدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ] لأن الغني يعطى الزهو والفخر لما يشاهده من الطالبين رفده ، وسعي الناس في تحصيل مثل ما عنده ، فكان مشهود محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الصفة الإلهية ، وهي الغنى ، فتصدى لها لما تعطيه حقيقتها من الشرف ، والنبي في ذلك الوقت في حال الفقر في الدعوة إلى اللّه ، وأن تعمّ دعوته ، وعلم أن الرؤساء والأغنياء ، تبع الخلق لهم أكثر من تبع من ليس له هذا النعت ، فإذا أسلم من هذه صفته أسلم لإسلامه خلق كثير ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم له على مثل هذا حرص عظيم ، وقد شهد اللّه تعالى عندنا له بذلك فقال : ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) أي عنادكم يعز عليه للحق المبين ( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) في أن تسلموا وتنقادوا إلى ما فيه سعادتكم ، وهو الإيمان باللّه وما جاء من عند اللّه ، ومع هذا الحضور النبوي أوقع العتب عليه تعليما لنا ، وإيقاظا له ، فإن الإنسان محل الغفلات ، وهو فقير بالذات ، وقد استحق الجاه والمال أن يستغني بهما من قاما به ، ولذلك قال : « أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى » وما قال : أما من هو غني ؛ فإنه على التحقيق ليس بغني ، بل هو فقير لما استغنى به ، وقد علم الحق أنه لمن تصدى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ،