ابن عربي
44
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
هو شاهد لا يعذب بل متنعم . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 22 ] وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) أي هذا لا يمكن الاستتار منه ، لأنكم ما تعملون الذي تأتونه من المنكرات إلا بالجوارح ، فإنها عين الآلة تصرفونها في طاعة اللّه أو معصيته ، فلا يتمكن لكم الاستتار عما لا يمكنكم العمل إلا به ، والجسد كله من حيث طبيعته طائع للّه مشفق ، وما من جارحة منه إذا أرسلها العبد جبرا في مخالفة أمر إلهي إلا وهي تناديه : لا تفعل ، لا ترسلني فيما حرّم عليك إرسالي ، إني شاهدة عليك ، لا تتبع شهواتك ؛ وتبرأ إلى اللّه من فعله بها ، وكل قوة وجارحة فيه بهذه المثابة ، وهم مجبورون تحت قهر النفس المدبرة لهم وتسخيرها « وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ » فمن علم أن كل شيء ناطق ناظر إلى ربه لزمه الحياء من كل شيء حتى من نفسه وجوارحه ، ومن كان مشهده هذا استحى من الموجودات كل الحياء في خلوته كما يستحي في جلوته ، فإنه في جلوة أبدا ، لأنه لا يخلو عن مكان يقلّه وسماء تظلّه ، ولو لم يكن في مكان لاستحى من أعضائه ورعية بدنه ، فإنه لا يفعل إلا بها ، فإنها آلاته وإنه لا بد أن تستشهد فتشهد ، ولا يستشهد اللّه إلا عدلا « وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ » هذا خطاب لمن يعتقد أن اللّه لا يعلم الجزئيات خاصة ثم قال : [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 23 ] وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) « وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ » أي يقينكم « الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ » أي أهلككم ، لأنهم ظنوا أن اللّه لا يعلم كثيرا مما يعملون ، فعاد وبال ذلك عليهم ، فعذبهم اللّه بأعمالهم ، فظنهم أرداهم لأنهم ظنوا محالا ، وهو نفي العلم عن اللّه ببعض أعمال العباد « فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » والخسران ضد الربح ، وهو نقص من رأس المال ، لما كان الأمر تجارة اتصف بالربح والخسران ، قال تعالى : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) ويقول اللّه