ابن عربي
43
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 21 ] وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) [ نطق الجلود وسبب تسميتها جلودا : ] « وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ » إذا شهدت عليهم « لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا » فتقول الجلود « أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ » فعمت ، فإن الدار الآخرة هي الحيوان ، ينطق فيها كل شيء ، فكانت الجلود أعلم بالأمر ممن جعل النطق فصلا مقوما للإنسان خاصة ، وعرّى غير الإنسان عن مجموع حده في الحيوانية والنطق ، وسميت الجلود بهذا الاسم لما هي عليه من الجلادة ، لأنها تتلقى بذاتها جميع المكاره من جراحة وضرب وحرق وحر وبرد ، وفيها الإحساس ، وهي مجنّ النفس الحيوانية لتلقي هذه المشاق ، فما في الإنسان أشد جلادة من جلده ، ولهذا غشاه اللّه به ، ولما كانت الجلود شهداء عدول فهي مقبولة القول عند اللّه ، وكانوا في الدنيا غير راضين بما كانت النفس الناطقة الحيوانية تصرفهم فيه ، زمان حكمها وإمارتها عليهم وعلى جميع جوارحهم ، من سمع وبصر ولسان ويد وبطن وفرج ورجل وقلب ، فأخبر تعالى عن بعض الناس المشهود عليهم أنهم يقولون لجلودهم « لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ » يعني بالشهادة عليكم « الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ » فإن الأصل في الأعيان الصمت ، فكل عين سوى اللّه خاصة لا نطق لها ، وما من شيء ينطق إلا واللّه أنطقه ، واختلف المنطوق به ، فثمّ نطق - أي منطوق به - يتعلق به مديح ، وثمّ منطوق به يتعلق به ذم ، وثمّ منطوق به يتعلق به تجوز لتواطؤ جعله اللّه في العالم ، وثمّ منطوق به على ما هو المدلول عليه في نفسه ، فهو إخبار عن حقيقة ، وما ثمّ إلا ما ذكرنا ، فنطق المدح شهادة أولي العلم بتوحيد اللّه ، ونطق الذم قول القائل : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ، ونطق الحقيقة ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) ونطق بالتجوز ( وَما تَعْمَلُونَ ) وما ثمّ قائل إلا اللّه ، ولا منطق إلا اللّه ، وما بقي إلا فتح عين الفهم لتنطيق اللّه ، من حيث أنه لا ينطق إلا بالصواب ، فكل كلام في العالم فهو إما من الحكمة أو من فصل الخطاب ، فالكلام كله معصوم من الخطأ والزلل ، إلا أن للكلام مواطن ومحال وميادين ، له فيها مجال رحب تتسع ميادينه ، بحيث أن تنبو عن إدراك غايتها عيون البصائر ، فيا ولي لا تكن الجلود أعلم بالأمر منك مع دعواك أنك من أهل العقل والاستبصار ، فهذه الجلود علمت نطق كل شيء ، وأن اللّه منطقه بما شاء ، والجلد من حيث