ابن عربي
42
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
إن اللّه ما جعل في العالم هدى لا يصح أن يعود عمى ، فإنه أبان لمن أوصله إليه ، فما اتصف بالعمى إلا من لم يصل إليه الهدى من ربه ، ومن قيل له : هذا هدى ؛ لا يقال إنه وصل إليه حتى يكون هو الذي أنزل عليه الهدى وحصل له العلم بذلك ، فإن هذا لا يكون عنده عمى أبدا ، فما استحب العمى على الهدى إلا من هو مقلد لأبناء جنسه ، فالعمى يوافق طبعه والهدى يخالف طبعه ، فلذلك يؤثره عليه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 18 إلى 20 ] وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 ) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 ) « شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ » وهما من النشأة الباطنة « وَجُلُودُهُمْ » من النشأة الظاهرة ، فما من شخص يروم مخالفة حق إلا ونشأتاه تقولان له : لا تفعل أيها الملك ، ولا تحوجنا أن نكون سببا في هلاكك ، فإن اللّه إن استشهدنا شهدنا ، ونحن رعيتك ولا حركة لنا إلا بك ، فلا تحركنا إلا في أمر يكون لك لا عليك ، فإن الأعضاء كالآلة للنفس الناطقة المخاطبة المكلّفة بتدبير هذا البدن ، وأنت المسؤول عن إقامة العدل فيهم ، فأنت تعلم من خطاب الشارع جميع ما يتعلق بكل عضو مكلف : وهي العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب .