ابن عربي
396
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فذكره بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى اللّه ، وخلوص عبوديته للّه ، ليس فيه شقص لكون من الأكوان ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ العبد من لا عبد له ] ففهم منه المحجوب أنه من لا عبد له قام بأمور نفسه ، فهو عبد نفسه ، وما مقصود الحق في ذلك إلا أن العبد من ليس له وجه إلى ربوبية وسيادة أصلا ، فإذا ملك العبد أمرا ما فله سيادة على ما ملك ، فالعبد على الحقيقة من لا ملك له ، لأن المملوك ذليل تحت تصرف المالك ، ولا يقدر على دفع تصرفه فيه ، ولا يكون هذا إلا بملك الرقبة ، فإن ملك التصريف دون الرقبة فهو مالك التصريف لا مالك الرقبة ، كالذي استأجر أجيرا على فعل يفعله ، فعبده التصرف لا المتصرف وهو المسمى أجيرا ، فالأجير خادم أجرته فهو خادم نفسه ، وذلك العبد فإنه لا عبد له فما له سيادة على أحد ، والعارف عبد اللّه وإن ملكه التصريف ولا بد من ذلك فما له سيادة ، فإن الرقبى للّه والعمرى للعبد . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 20 إلى 26 ] قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ( 24 ) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) الغيب الذي أفرده الحق في هذه الآية ولم يقرنه بالشهادة هو الغيب الذي انفرد الحق به سبحانه لأنه لا عين له يجوز أن تشهد ، فقال : « فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً » فأرسلت حجب الأسرار دون أعين الناس وهو ما أخفى عنهم من الغيوب ، فإن قلت : فما فائدة الاستثناء في قوله :