ابن عربي
397
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة الجن ( 72 ) : آية 27 ] إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) [ الغيب الذي أطلع الحق تعالى عليه رسله : ] قلنا : تدبر ما هو الغيب الذي اطلع عليه الرسل ؟ وبما ذا ربطه ؟ فتعلم أن ذلك علم التكليف الذي غاب عنه العباد ، ولهذا جعل له الملائكة رصدا حذرا من الشياطين أن تلقي إلى ما ينقله إلى الخلق ويعمل به في نفسه من التكليف الذي جعله اللّه طريقا إلى سعادة من أمر ونهي « مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » ، حتى لا يلتبس عليه الإلقاء ، والرصد هم الحرس من الملائكة ، فاختار اللّه تعالى من الناس الرسل ليبلغوا عن اللّه ما هو الأمر عليه ، فإنه ما أخرجهم إلا للعلم به ، لأنه أحب أن يعرف إليهم بالرسل بما بعثهم به من كتب وصحف ، فعرفوه معرفة ذاتية ، كما عرفوه بالعقول التي خلق لهم وأعطاها قوة النظر الفكري ، فعرفوه بالدلائل والبراهين معرفة وجودية سلبية ، لم يكن في قوة العقل من استقلاله أكثر من هذا ، ثم بعد ذلك جاءت الرسل من بعده بمعرفة ذاتية ، فعبد الخلق الإله الذي تعرف إليهم بشرعه ، إذ العقل لا يعطي عملا من الأعمال ، ولا قربة من القرب ، ولا صفة ثبوتية للحق ، وما حظ العقل من الشرع مما يستقل به دليله إلا ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) على زيادة الكاف لا على إثباتها صفة ، فاختار الحق تعالى الرسل لتبليغ ما لا يستقل العقل بإدراكه من العلم بذاته ، وبما يقرب إليه من الأعمال والتروك والنسب لذلك قال تعالى : [ سورة الجن ( 72 ) : آية 28 ] لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 ) « لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ » فكأنه مستثنى ، منقطع هذا الغيب من ذلك الغيب انقطاعا حقيقيا لا انقطاع جزء من كل ، لما وقع الاشتراك في لفظة الغيب ، لذلك قلنا : مستثنى ، ولما خالفه في الحقيقة قلنا : منقطع ، ولكن بالحال بالذات ، تقول في المتصل : ما في الدار إنسان إلا زيدا ، فهذا المستثنى متصل ، لأنه إنسان قد فارق غيره من الأناسي بحالة كونه في الدار لا بحقيقته ، إذ لم يكن في الدار إلا هو ، فالانقطاع في الحال لا غير ، فإن قلت : ما في الدار إنسان إلا حمارا ، فهذا منقطع بالحقيقة والحال ، فكذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسل بالرصد من الملائكة من أجل المردة من الشياطين هو الرسالة التي يبلغونها عن اللّه ، فإنه لا يحيط من علم غيب اللّه إلا بما شاء اللّه ، ولهذا قال « لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا