ابن عربي

393

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ الكَيِّس من الناس من يهرب من مجالسة الجن : ] الكيس من الناس من يهرب من مجالسة الجن ، فإن مجالستهم رديئة جدا ، قليل أن تنتج خيرا ، لأن أصلهم النار ، والنار كثيرة الحركة ، ومن كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كل شيء ، فالجن أشد فتنة على جليسهم من الناس ، فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها ، غير أن الإنس لا تؤثر مجالسة الإنسان إياهم تكبرا ، ومجالسة الجن ليست كذلك ، فإنهم بالطبع يؤثرون في جليسهم التكبر على الناس وعلى كل عبد للّه ، وكل عبد للّه رأى لنفسه شفوفا على غيره تكبرا فإنه يمقته اللّه في نفسه من حيث لا يشعر . واعلم أن الجان هم أجهل العالم الطبيعي باللّه ، ويتخيل جليسهم بما يخبرونه به من حوادث الأكوان ، وما يجري في العالم مما يحصل لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى ، فيظن جليسهم أن ذلك كرامة اللّه به ، هيهات لما ظنوا ، ولهذا ما ترى أحدا قط جالسهم فحصل عنده منهم علم باللّه جملة واحدة ، فرجال اللّه يفرون من صحبتهم أشد فرارا منهم من الناس ، فإنه لا بد أن تحصل صحبتهم في نفس من يصحبهم تكبرا على الغير بالطبع ، وازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدم . وكان للجن قبل مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مسالك نحو السماء يسلكون فيها ليستمعوا حديث الملأ الأعلى الملكي ، لذلك قالوا بعد أن وصفهم الحق بقوله : [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً ( 7 ) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ( 8 ) قالوا [ سورة الجن ( 72 ) : آية 8 ] وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ( 8 ) عند مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أشعل الفلك الأثير إشعالا عظيما ، فكثرت النجوم ذوات الأذناب في الأثير والاحتراقات ، وجعلها الحق رجوما للشياطين ، فعمرت كل مسلك في الأثير ، فضاقت المسالك على الجن الذي يسترقون السمع ، ولم يعرفوا ما علة ذلك فقالوا « وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً » فالحرس الملائكة وهم الرصد ، وهو قوله تعالى : ( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) والشهب النجوم ذوات الأذناب . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 9 ] وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 )