ابن عربي
377
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الضحى ، ورب التين ، فما أقسم إلا بنفسه ، فلا قسم إلا باللّه ، وما عدا ذلك من الأقسام فهو ساقط ما ينعقد به يمين في المقسوم عليه ، وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم النهي عن اليمين بغير اللّه ، فإن قلت : لم أقسم اللّه ؟ قلنا : سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء ، حتى لا يهملوا شيئا من الأشياء الدالة على الحق ، سواء كان ذلك الدليل عدما أو وجودا ، وقلنا : القسم نتيجة التهمة ، والحق يعامل الخلق من حيث ما هم عليه لا من حيث ما هو عليه ، ولهذا لم يول الحق تعالى للملائكة ، لأنهم ليسوا من عالم التهمة ، وأقسم الحق بنفسه حين أقسم بذكر المخلوقات ، وحذف الاسم يدل على إظهار الاسم في مواضع من الكتاب العزيز ، مثل قوله ( فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) فكان ذلك إعلاما في المواضع التي لم يجر للاسم ذكر ظاهر ، أنه غيب هنالك لأمر أراده سبحانه في ذلك ، والقسم دليل على تعظيم المقسم به ، ولا شك أنه قد ذكر في القسم من يبصر ومن لا يبصر ، فدخل في ذلك الرضيع والوضيع والموجود والمعدوم ، فهو القسم العام ، فإنه دخل في هذا القسم من الموجودات جميع الأشياء ، ودخل فيه العدم والمعدومات ، وهو قوله « وَما لا تُبْصِرُونَ » وما تبصرونه في الحال والمستقبل ، والمستقبل معدوم ، فللأشياء نسبة إلى الشرف والتعظيم ، وكذلك العدم المطلق فإنه يدل على الوجود المطلق ، فعظم من حيث الدلالة ، وأما شرف العدم المقيد فإنه على صفة يقبل الوجود ، والوجود في نفسه شريف ، ولهذا هو من أوصاف الحق ، فقد شرف على العدم المطلق بوجه قبوله للوجود ، فله دلالتان على الحق ، دلالة من حيث عدمه ودلالة من حيث وجوده ، وشرف العدم المطلق على المقيد بوجه وهو أنه من تعظيمه للّه وقوة دلالته أنه ما قبل الوجود ، وبقي على أصله في عينه ، غيرة على الجناب الإلهي أن يشركه في صفة الوجود . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 40 ] إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) فأقسم تعالى « إِنَّهُ » يعني القرآن وهو كلام اللّه « لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » فأضاف الكلام إلى الواسطة والمترجم .