ابن عربي

340

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

عنده وهي عليه في نفسها ، وذلك الحد هو عين عبوديتها ، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم ، وأما قوله تعالى « لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً » وذلك لأنا ما عرفنا من القوى الموجودة في الإنسان إلا قدر ما أوجد فيه ، وربما في علم اللّه عنده أو في الإمكان قوى لم يوجدها اللّه تعالى فينا اليوم ، ومنها قوى فوق طور العقل ، وهي قوة يوجدها اللّه في بعض عباده من رسول ونبي وولي ، تعطي خلاف ما أعطته قوة العقل ، وجاءت كلمة « لَعَلَّ » وهي كلمة ترج - وكل ترج إلهي فهو واقع لا بد منه - وهذه القوة قد يحدثها اللّه في هذه النشأة الدنيا ، وأما في الأحكام فمعلوم أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما قرر حكم المجتهد لا يزال حكم الشرع ينزل من اللّه على قلوب المجتهدين إلى انقضاء الدنيا ، فقد يحكم اليوم مجتهد في أمر لم يتقدم فيه ذلك الحكم واقتضاه له دليل هذا المجتهد من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلي ، فهذا أمر قد حدث في الحكم إذا تعداه المجتهد أو المقلد له فقد ظلم نفسه . [ سورة الطلاق ( 65 ) : آية 2 ] فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) « وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ » يقول مؤمنين لم تروا منهم ما يؤدي إلى تجريحهم ، وليس لكم أن تبحثوا عنهم إذ ليس في الآية ذلك . . . « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » . وهو قوله تعالى : ( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) فيخرج مما كان فيه فيفارقه إلى أمر آخر ، فيخرج من الضيق إلى السعة ، ومن عدم الرضى بحاله إلى الرضى بحاله ، فمن اتخذ اللّه وقاية أخرجه من الضيق ، أي أزال الضيق عنه ، فاتسع في مدلول الاسم اللّه من غير تعيين ، ولذلك رزقه من حيث لا يحتسب ، لأنه لم يقيد فلم يتقيد ، فكل شيء أقامه الحق فيه فهو له ، فيرجع محيطا بما أعطاه اللّه فله السعة دائما أبدا ، فإن الانتقال يعم الجميع ، والرضا وعدم الرضا الموجب للضيق هو الذي يتفاضل فيه الخلق ؛ فمن اتقى اللّه خرج إلى سعة هذا الاسم ، فيتسع باتساع هذا الاسم اتساعا لا ضيق بعده ، ومن لم يتق اللّه خرج من ضيق إلى ضيق ، ومن أراد أن يجرب نفسه ويأتي إلى الأمر من فصه ، فلينظر في نفسه ، إلى علمه برزقه ما هو ؟ فإن لم