ابن عربي

254

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

« جَنَى الْجَنَّتَيْنِ » الحسية والمعنوية للعارفين « دانٍ » . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 55 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 55 ) ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 56 ] فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 ) « فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ » لا تشاهد في نظرها أحسن منه ، ولا يشاهد أحسن منها ، قد زينت له وزين لها ، وطيبت له وطيب لها « لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ » أي أبكار لم يفتضهن أحد . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 57 إلى 60 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 57 ) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ( 58 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 59 ) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ ( 60 ) « هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ » الآية الإحسان رؤية أو كالرؤية ، فالإحسان من الحق رؤية ومن العبد كأنه ؛ قال جبريل عليه السلام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ ما الإحسان ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإنك إن لا تراه فإنه يراك ] وفي رواية [ فإن لم تكن تراه فإنه يراك ] فأمره أن يخيله ويحضره في خياله على قدر علمه به ، فيكون محصورا له ، وقال تعالى : « هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ » هل جزاء الإحسان وهو أن تعبد اللّه كأنك تراه ، إلا الإحسان وهو أنك تراه حقيقة ، فالصورة الأولى الإلهية في العبادة مجعولة للعبد من جعله ، فهو الذي أقامها نشأة يعبدها عن أمره عزّ وجل له بذلك الإنشاء ، فجزاؤه أن يراه حقيقة ، جزاء وفاقا في الصورة التي يقتضيها موطن ذلك الشهود ، كما اقتضى تجليه في الصور الإلهية المجعولة من العبد في موطن العبادة والتكليف ، فإن الصور تتنوع بتنوع المواطن والأحوال والاعتقادات من المواطن ، فلكل عبد حال ، ولكل حال موطن ، فبحاله يقول في ربه ما يجده في عقده ، وبموطن ذلك الحال يتجلى له الحق في صورة اعتقاده ، والحق كل ذلك ، والحق وراء ذلك ، فينكر ويعرف ، وينزّه ويوصف ، وعن كل ما ينسب إليه يتوقف .