ابن عربي
221
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الاعتقادات بنظرها وأدلتها ، فهي ستور عليها ، لذلك تبصر الشخص ولا تبصر ما اعتقده إلا أن يرفع لك الستر بستر آخر ، وهو العبارة عن معتقده في ربه ، فالعبارة وإن دلتك عليه فهي ستر بالنظر إلى عين ما تدل عليه ، فإن الذي تدل عليه ما ظهر لعينك ، ولذلك فإن الأسماء الإلهية وإن دلت على ذات المسمى ، فهي أعيان الستور عليها ، والأسماء اللفظية الكائنة في ألسنة الناطقين والأسماء الرقمية في أقلام الكاتبين فإنها ستور على الأسماء الإلهية ، من حيث أن الحق متكلم لنفسه بأسمائه ، فتكون هذه الأسماء اللفظية والمرقومة التي عندنا أسماء تلك الأسماء وستورا عليها ، فإنا لا ندرك لتلك الأسماء كيفية ، ولو أدركنا كيفيتها شهودا لارتفعت الستور ، وهي لا ترفع ، فالستور وإن كانت دلائل فهي دلائل إجمالية ، فالعالم بل الوجود كله ستر ومستور وساتر ، فنحن في غيبه مستورون ، وهو ستر علينا ، فالوجود هو الستر العام ، فهو واسع المغفرة ، وهي حضرة إسبال الستور ، وختم تعالى بقوله : « هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » والستر وقاية ، والغفران هو الستر ، فالعبد يتقي بالستر . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 33 إلى 37 ] أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ( 34 ) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) وفّى بما رأى من ذبح ابنه . [ سورة النجم ( 53 ) : آية 38 ] أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) فإن الدار الآخرة دار تمييز فلا تصيب العقوبة إلا أهلها . [ سورة النجم ( 53 ) : آية 39 ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) جعل اللّه الإنسان لا يسعى إلا لنفسه ، ولهذا قرن بسعيه الأجر حتى يسعى لنفسه ، بخلاف من لا أجر له من العالم الأعلى والأسفل ، وليس بعد الرسل ومرتبتهم في العلم باللّه مرتبة ، فهم المطرقون والمنبهون ، ومع هذا فما منهم من رسول إلا قال : ( إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) فما هو من سعي الإنسان فهو له عند اللّه بطريق الإيجاب الإلهي الذي أوجبه على