ابن عربي
222
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
نفسه ، وأما ما عمل عنه غيره بحكم النيابة مما لم يؤذن فيه الميّت ولا أوصى به ولا له فيه تعمل ، فإن اللّه يعطيه ذلك المقام إذا وهبه إياه غيره ، فيأخذه الميت لا من طريق الوجوب الإلهي لكن يجب عليه أخذه ولا بد ، فإنه أتاه من غير مسئلة . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 40 إلى 42 ] وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) يريد المنتهى بظهورنا ، أي لا يزال وجه العالم أبدا إلى الاسم الأول الذي أوجده ناظرا ، ولا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط الذي ينتهي إليه بورائه ناظرا ، واللّه هو الوجود المحض ، محيط بنا وإليه ننتهي ، فيحول وجوده وإحاطته بيننا وبين العدم ، فالمآل إلى الرحمة العامة [ إشارة : لا يحجبنّك قوله تعالى « وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » فتقول ] - إشارة - لا يحجبنّك قوله تعالى : « وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » فتقول : ليس هو معي في البداية ، بل هو معك في البداية وفي طريقك إليه وإليه نهايتك ، لكن تختلف أفعاله فيك ، وهي اختلاف أحوالك ، ففي البداية يسويك ، وفي الطريق يهديك ، وفي الغاية يملك ويخلع عليك خلعة الخلافة ، فلما كان المنتهى المطلب أظهر الاسم في المنتهى ، ولذلك قال : « وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » . [ سورة النجم ( 53 ) : آية 43 ] وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) من الناس من وفقهم اللّه لوجود أفراح العباد على أيديهم ، أول درجة من ذلك من يضحك الناس بما يرضي اللّه ، أو بما لا رضا فيه ولا سخط وهو المباح ، فإن ذلك نعت إلهي لا يشعر به ، بل الجاهل يهزأ به ولا يقوم عنده هذا الذي يضحك الناس وزن ، وهو المسمى في العرف مسخرة ، وأين هو هذا الجاهل بقدر هذا الشخص من قوله تعالى : « وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى » [ الإضحاك نعت إلهي : ] ولا سيما وقد قيدناه بما يرضي اللّه أو بما لا رضا فيه ولا سخط ، فعبد اللّه المراقب أحواله وآثار الحق في الوجود يعظم في عينه هذا المسمى مسخرة ، وكان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نعيمان يضحكه ليشاهد هذا الوصف الإلهي في مادة ، فكان أعلم بما يرى ، ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ممن يسخر به ولا يعتقد فيه السخرية ، وحاشاه من ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم ،