ابن عربي

17

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 41 إلى 42 ] وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) فإن الفكر أراهم الحق باطلا فحققوه ، فاجتنبوا الحق واتبعوا الباطل ، ولا علم لهم بذلك أن الباطل في جبلة كل أحد اجتنابه ، فكان مؤمن آل فرعون يدعو أهل الشرك إلى التوحيد ، فيقول إذا دعاهم إلى ذلك ودعوه إلى ما هم عليه « ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ » واعتبار هذه القصة في دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الشرك إلى التوحيد ، أنهم قد أثبتوا بكونهم مشركين عين ما دعاهم إليه هذا الرسول ، وهو ما أثبت الشريك وهم قالوا : ( إنما ندعوهم لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) فأثبتوا له سبحانه وتعالى التعظيم والمنزلة العظمى التي ليست لشركائهم ، وهم علماء بما دعاهم الرسول إليه ، فلما دعاهم دعاهم بحالهم ولسانهم ، من حيث ما أثبتوا عين ما دعاهم إليه ، وزادوا الشريك الذي لا علم لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم به وهو قوله : « ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ » . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 43 إلى 44 ] لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) [ « وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ . . . » الآية : ] قال اللّه عزّ وجل لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لقومه حين ردوا دعوته « فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ » وهو من فاض ، ولا يفيض حتى يمتلئ بالفيض زيادة على ما يحمله المحل ، وذلك أن المحل لا يحمل إلا ما في وسعه أن يحمله ، وهو القدر والوجه الذي يحمله المخلوق ، وما فاض من ذلك - وهو الوجه الذي ليس في وسع المخلوق أن يحمله - يحمله اللّه ، فما من أمر إلا وفيه للخلق نصيب وللّه نصيب ، فنصيب اللّه أظهره التفويض ، فينزل الأمر جملة واحدة وعينا واحدة إلى الخلق ، فيقبل كل خلق منه بقدر وسعه ، وما زاد على ذلك وفاض انقسم الخلق فيه على قسمين : فمنهم من جعل الفائض من ذلك إلى