ابن عربي

18

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اللّه تعالى فقال : « وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ » وينسب ذلك الأمر إلى نفسه ، لأنه لما جاءه ما تخيل أن يفضل عنه وتخيل أنه يقبله كله ، فلما لم يسعه بذاته رده إلى ربه ، ومنهم من لم يعرف ذلك فرجع الفائض إلى اللّه من غير علم من هذا الذي حصل منه ما حصل ، فهو إلى اللّه على كل وجه ، وما بقي الفضل إلا فيمن يعلم ذلك ، فيفوض أمره إلى اللّه فيكون له بذلك عند اللّه يد ، ومنهم من لا يعلم ذلك فليس له عند اللّه بذلك منزلة ولا حق يتوجه ، قال تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) واعلم أن العبد القابل أمر اللّه لا يقبله إلا باسم خاص إلهي ، وأن ذلك الاسم لا يتعدى حقيقته ، فهذا العبد ما قبل الأمر إلا باللّه ، من حيث ذلك الاسم ، فما عجز العبد ولا ضاق عن حمله ، فإنه محل لظهور أثر كل اسم إلهي ، فعن الاسم الإلهي فاض لا عن العبد ، فلما فوضه بقوله : « وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ » ما عيّن اسما بعينه : وإنما فوضه إلى الاسم الجامع ، فيتلقاه منه ما يناسب ذلك الأمر من الأسماء في خلق آخر . وغاية العارفين أنهم يعلمون بالجملة أن الظاهر في الوجود والواقع إنما هو في قبضة الحكمة الإلهية ، فيزول عن العارف التسخط والضجر ، ويقوم به التسليم والتفويض إلى اللّه في جميع الأمور ، كما جاء « وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » هذا هو حكم الحكمة لمن عقل عن اللّه ، فلا تجعل زمامك إلا بيد ربك ، فإن له كما قال يدين ، فكما أنه أخبرك أن يده بناصيتك اضطرارا ، فاجعل زمامك بيده اختيارا ، فتجني ثمرة الاختيار والاضطرار بجمعك بين اليدين ؛ ولا شك ولا خفاء أن من ألقى زمامه بيدك ، وفوض أمره إليك - وإن لم يتكلم - فقد خاطبك بأفصح الألسنة أن تسلك به طريق الصلاح والأصلح ، لما جلبت عليه النفوس من جلب المنافع ودفع المضار . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 45 إلى 46 ] فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) اعلم أن اللّه سبحانه إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية - حيث كانت - والعنصرية ، أودعها صورا جسدية في مجموع الصور الذي هو قرن من نور ، وفي تلك