ابن عربي
16
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
حكى اللّه لنا ما قاله فرعون على المعنى ، فإنه قال ما قال بلسان القبط ، ووقعت الترجمة عنه باللسان العربي والمعنى واحد . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 38 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) فإنه نظر بنور الإيمان الذي وهبه اللّه إياه فأشهده الأمور كما هي عليه في نفسها ، وكشف له عن الحق ورزقه اتباعه ، وكشف له عن الباطل ورزقه الاجتناب عنه . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 39 إلى 40 ] يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) [ « مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها . . . » الآية : ] اعلم أن صورة عملك مقدار للجزاء الذي عيّنه الحق لك عليه ، سواء كان ذلك العمل محمودا أو مذموما ، فإن أدخل اللّه العمل المذموم ميزان الجزاء فإنه لا يزيد عليه في المقدار وزن ذرة أصلا ، هذا إذا أقام الوزن عليه بالجزاء ، وكان عذابه في النار جزاء على قدر عمله لا يزيد ولا ينقص ، لا في العمل ولا في مقدار الزمان ، والإصرار من الأعمال المنهي عن عملها ، ولا يزيله إلا التوبة ، فإن مات عليه خيف عليه ولا يقطع ، وإذا أدخل الحق صورة العمل الصالح الميزان ووزنه بصورة الجزاء رجحت عليه صورة الجزاء أضعافا مضاعفة ، وخرجت عن الحد والمقدار ، منة من اللّه وفضلا ، وهو قوله تعالى : « مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها » وقال في الأخرى : « وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ » وهو قوله تعالى : ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) ولم يجعل للتضعيف في الخير مقدارا يوقف عنده ، بل وصف نفسه بالسعة فقال : ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) .