ابن عربي

62

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اللّه كما كان في حال عدمه فذلك الذي أعطى اللّه حقه ، ومن ادعى مع اللّه في نعته وزاحمه في صفاته أحاله من دائه العضال على استعمال دواء « أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً » يقول له : كن معي في شيئية وجودك كما كنت إذ لم تكن موجودا ، فأكون أنا على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 68 ] فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) [ الحشر الروحاني والجسماني ] أقسم اللّه جل ثناؤه على الحشر الروحاني والجسماني ، أقسم سبحانه على نفسه باسمه الرب المضاف إلى نبيه محمد عليه السلام فقال « فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ » الآية ، فإن الإنسان لما قال منكرا ( أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ) وسمع النبي عليه السلام من الإنسان هذا الإنكار وتكذيبه فيما قال اللّه من حشر الأجساد بعد موتها ، ولهذا ورد في الخبر الصحيح عن اللّه تعالى ، يقول اللّه تعالى [ شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك ، وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك ، أما شتمه إياي فقوله : إن لي صاحبة وولدا ، وأنا الواحد الأحد لم أتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأما تكذيبه إياي فبقوله : إني لا أعيده كما بدأته ، وليس أول الخلق عليّ بأهون من إعادته ] فلما كان في إنكار الحشر والإعادة تكذيب اللّه جل وعلا ، شق ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما لم تكن الدنيا دار انتقام مطلق ، أقسم الباري باسمه جل ثناؤه - المضاف إلى نبيه - بحشر الجميع الصالح والطالح في مقابلة الإنكار الروحاني والترابي ، وجعل الطريق الذي هو الصراط على النار ، حتى لا يبقى أحد إلا ويرد عليها ، فمنهم السوي ومنهم المكبوت ( وما قدروا اللّه حق قدره ) فقال تعالى « فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ » من أنكر الحشر « وَالشَّياطِينَ » فهم الذين يوحون إليهم ليجادلوا أهل الحق ، فذكروا له صلّى اللّه عليه وسلم في المقسومين عليهم ، حتى يسكن ما يجده من الألم بالوعد الذي وعده اللّه للانتقام المطلق . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 69 إلى 71 ] ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 ) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) لما كان الصراط على النار ، وما تمّ طريق إلى الجنة إلا عليه ، قال تعالى « وَإِنْ مِنْكُمْ