ابن عربي

63

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا » [ الصراط ] فالصراط المشروع الذي كان هنا معنى ينصب في الآخرة حسا محسوسا ، يقول اللّه لنا ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ولما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية خط خطا وخط عن جنبتيه خطوطا ، وهذا الصراط صراط التوحيد ولوازمه وحقوقه ، فالمشرك ما وحد اللّه هنا ، فهو من الموقف إلى النار مع المعطلة ومن هو من أهل النار الذين هم أهلها ، إلا المنافقين ، فلا بد لهم أن ينظروا إلى الجنة وما فيها من النعيم فيطمعون ، فذلك نصيبهم من نعيم الجنان ، ثم يصرفون إلى النار ، وهذا من عدل اللّه ، فقوبلوا بأعمالهم ، والطائفة التي لا تخلد في النار إنما تمسك وتسأل وتعذب على الصراط . والصراط على متن جهنم غائب فيها ، والكلاليب التي فيه بها يمسكهم اللّه عليه ، وقد أتى في وصف الصراط الحسي أنه أدق من الشعر وأحد من السيف ، وكذا هو علم الشريعة في الدنيا ، فالشرع هنا هو الصراط المستقيم ، فهو أحد من السيف وأدق من الشعر ، وظهوره في الآخرة محسوس أبين وأوضح من ظهوره في الدنيا ، وقد ورد في الخبر أن الصراط يظهر يوم القيامة متنه للأبصار على قدر نور المارين عليه ، فيكون دقيقا في حق قوم وعريضا في حق آخرين ، فالطريق إلى الجنة على النار فلا بد من الورود ، فعلى الحقيقة ما منا إلا من يردها ، فإنها الطريق إلى الجنة ، وإذ لم يبق في أرض الحشر من أهل الجنة أحد ، عاد الصراط كله نارا . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 72 إلى 76 ] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 )