ابن عربي
46
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 23 ] فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) [ مده حمل عيسى ( ع ) ] عيسى عليه السلام لم يلبث في البطن اللبث المعتاد ، فإنه لم ينتقل في أطوار النشأة الطبيعية بمرور الأزمان المعتادة ، بل كان انتقاله يشبه البعث ، أعني إحياء الموتى يوم القيامة في الزمان القليل على صورة ما جاءوا عليها في الزمان الكثير . واعلم أنه لا عذاب على النفوس أعظم من الحياء ، حتى يود صاحب الحياء ان لم يكن شيئا كما قالت الكاملة « يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا » قالت ذلك وهي بريئة في نفس الأمر عند اللّه ، حياء من الناس ، لما علمت من طهارة بيتها وآبائها ، فخافت من إلحاق العار بهم من أجلها ، فهذا حياء من المخلوق كيف نسبوا إليها ما لا يليق ببيتها ولا بأصلها ، فبرأها اللّه مما نسبوا إليها لما نالها من عذاب الحياء من قومها ، فإن عيسى عليه السلام هو عين الكلمة التي ألقاها اللّه إلى مريم ، لا غير ذلك ، ولا علمت غير ذلك ، فلو كانت الكلمة الإلهية قولا من اللّه وكلاما لها مثل كلامه لموسى عليه السلام لسرت ولم تقل « يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا » فلم تكن الكلمة الإلهية التي ألقيت إليها إلا عين عيسى روح اللّه وكلمته ، وهو عبده ، فنطق عيسى ببراءة أمه في غير الحالة المعتادة ليكون آية ، فنفّس اللّه عن أمه بنطقه ما كان أصابها من كلام أهلها بما نسبوها إليه مما طهرها اللّه عنه . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 24 إلى 25 ] فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فكان ذلك شهادة مبرئة لمريم عليها السلام بما سقط من الثمر في هزها جذع النخلة اليابس ونطق ابنها في المهد بأنه عبد اللّه ، وهما شاهدان عدلان عند اللّه ، إذ أكثر الشرع في الحكومة بشاهدين عدلين : ولا أعدل من هذين وقام الشاهد الأول بهز الجذع للمناسبة الموجودة ، فإن النخل لا ينتج إلا بتذكير ، فلما هزت الجذع اليابس أنتج من غير تذكير للحين ، كما فعل بعيسى عليه السلام ، وأما الشاهد الثاني فهو نطق عيسى في المهد ، شاهد ثان على أهل الجحد .