ابن عربي

47

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 26 إلى 28 ] فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) [ « يا أُخْتَ هارُونَ » ] « يا أُخْتَ هارُونَ » المقصود هنا هارون عليه السلام ، وقولهم « يا أُخْتَ هارُونَ » فإن مريم أخت له دينا ونسبا ، فإذا قيل إنه ما هو أخوها لأن بينهما زمانا طويلا ، قلنا : ألا ترى إلى قوله تعالى ( وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ) * ما هذه الأخوة ؟ أترى هو أخو ثمود لأبيه وأمه فهو أخوهم ؟ فسمى القبيلة باسم ثمود ، وكان صالح من نسل ثمود ، فهو أخوهم بلا شك ، ثم جاء بعد ذلك بالدين ، ألا ترى أصحاب الأيكة لما لم يكونوا من مدين ، وكان شعيب من مدين ، فقال في شعيب أخو مدين ( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) ولما جاء ذكر أصحاب الأيكة قال ( إذ قال لهم شعيب ) ولم يقل أخاهم ، لأنهم ليسوا من مدين وشعيب من مدين . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 29 ] فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) عدلت مريم عليها السلام إلى الإشارة من أجل أهل الإفك والإلحاد ، فإن الإشارة لا تكون إلا بقصد المشير بذلك أنه يشير ، لا من جهة المشار إليه ، والإشارة إيماء ، جاءت به الأنباء فهي إشارة على رأس البعد ، وهي على قسمين : إشارة تقتضي البعد ، وتبلغ ما لا يبلغ الصوت ، وإشارة تقتضي القرب ولكن بحضور ثالث أو أكثر ، فالبعد الذي فيه ، كون الأغيار حاضرين ، فأشارت إليه متكلة عليه ، فبرأتها شهادته مما قيل ، وتلي ذلك في كل جيل ، في قرآن وزبور وتوراة وإنجيل « قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا » لما عندهم من حكم المواطن ، وآتى اللّه تعالى عيسى عليه السلام الحكم صبيا ، وهو حكم النّبوة التي لا تكون إلا ذوقا ، فمن حكمه أن حكم في مهده على مرأى من قومه الذين افتروا في حقه على أمه مريم ، فبرأها اللّه بنطقه وبحنين جذع النخلة إليه ، ومن حكمه عليه السلام .