ابن عربي
26
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
موسى أنا على علم . . . الحديث ] فافترقا وتميزا بالإنكار ، وما رد موسى على الخضر في ذلك ، ولا أنكر عليه في قوله المذكور في هذه الآية ، بل . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 69 ] قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) [ حكمة تأخير الاستثناء على الفعل ] قال ذلك لأنه قال له قبل ذلك ( هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ) والصبر لا يكون إلا على ما يشق عليه ، وأدخل موسى نفسه عليه السلام في اتباع الخضر وتحت شرطه ، وموسى كليم اللّه ونجيه ، ومع هذا لم يصبر لأنه قدم الاستثناء ، فلو قدم موسى عليه السلام الصبر على المشيئة كما يفعل المحمدي لصبر ولم يعترض ، فإن اللّه قدمه في الإعلام تعليما لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) فأخر الاستثناء ، فمن أراد أن يحصل علم اللّه في خلقه فليقف عند ترتيب حكمته في الأشياء ، وليقدم ما قدم اللّه ويؤخر ما أخر اللّه ، فإذا أخرت ما قدمه أو قدمت ما أخره فهو نزاع خفي يورث حرمانا ، فاللّه أخر الاستثناء وقدمه موسى عليه السلام فلم يصبر ، فلو أخره لصبر ، والآية التي ذكرناها أنها نزلت على محمد صلّى اللّه عليه وسلم مذكورة باللسان العبراني في التوراة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 70 ] قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) كل أمر يقع التعجب منه فإن صاحبه الذي أوجده للتعجب ما أوجده بهذه الحالة إلا ليحدث منه ذكرا لهذا الذي تعجب منه ، فلا تستعجل ، فإنه لا بد أن يخبره موجده بحديثه ، إلا أن الإنسان خلق عجولا ، وما في العالم أمر لا يتعجب منه ، فالوجود كله عجيب ، فلا بد أن يحدث اللّه منه ذكرا للمتعجبين ، فالعارفون أحدث اللّه لهم ذكرا منه في هذه الدار ، فعرفوا لما خلقوا له ولما خلق لهم ، والعامة تعرف حقائق الأمور في الآخرة ، فلا بد من العلم سواء في الدنيا للعلماء أو في الآخرة للعامة . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 71 إلى 72 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 )